أثر الشهيد في المجتمع

إن الرجوع الى المعنى اللغوي لكلمة الشهيد فيه الكثير من المعاني الحيوية والمؤثرة في حياة الإنسان، فهو الحيّ الحاضر، وهو الأمين في الشهادة الذي لا يغيب عن علمه شيء، وهو اسم من اسماء الله المقتول في سبيل الله، وهو الخبير وهو الشهيد الذي يشهد على الخلق يوم القيامة مع نبيها، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }.
وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وجابر ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ((لما اُصيب اِخوانكم بأحد جعل الله ارواحهم في حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها)).
وهو الذي تشهده الملائكة وتحضر موته، وهذه المعاني تدل على عظمة الشهيد ومكانته ولذا سمي شهيدا لتلك الاوصاف المذكورة اعلاه ولأن الله وملائكته شهود له بالجنة.
مكانة الشهيد:
وللشهيد في المجتمع مكانة خاصة باعتبار كل انسان يقدم خدمة لمجتمعه وأمته ، فان قيمة ومكانة ذلك الانسان تتناسب مع ما قدمه ، فأهل الصناعات واهل الاختراعات وغيرهم ممن يقدموا خدمة لمجتمعاتهم ، لهم قيمة واثر فيها ، لكن لو قارنا تلك الخدمة وما يقدمه الشهيد إحياء لمجتمعه بدمه وبحياته مع ما يقدمه الآخرون في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية ، لفاق على جميع اولئك ، ولذا برزه القرآن الكريم عن غيره ممن يكونوا موتى بوصفه بالحيّ ، قال عزّ وجلّ : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، كأن ارواحهم احضرت دار السلام احياء وأرواح غيرهم اخرت الى يوم البعث . بالإضافة الى ذلك، فالشهادة رتبة عالية ليس فوقها رتبة، يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) في حديثه: (فوق كلّ برّ برّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فاذا قُتل في سبيل الله عزّ وجلّ فليس فوقه برّ).
ولذلك نلاحظ تعاطف الشعوب مع الشهداء والاهتمام بهم دون غيرهم، وهذا يكشف عن عظم ما قدموا لتلك الشعوب لأنهم جادوا بأنفسهم، فكان لهم الأثر الواضح من خلال الجانب المادي، والمعنوي، فبدمائهم تحققت الحرية والاستقلال، وينجلي الظلم والقهر والفساد ويتحقق العدل والإنصاف، وتترسخ المثل والقيم السماوية التي تمثل القيم المطلقة التي شرعها الله تعالى. وهذا الاثر الايجابي للشهيد الذي حققه بدمه أضاء للأمة دربها ، ولا شك ان من يثبت هذه القيم ويرسخها في الامة لابد ان يحظى منها بأعظم اهتمام.
ما معنى الشهادة؟
والشهادة على ما عرفها السيد الطباطبائي: (إنها نيل نفس الشيء وعينه، اما بحسّ ظاهر كما في المحسوسات او باطن كما في الوجدانيات نحو العلم والارادة والحب والبغض)
فالشهادة تعني المشاهدة ورؤية الشيء بنفسه، ولذلك تطلق باللغة على الشاهد لأنه يشهد بما يعلم علما يقينا فهو شاهد، ومن هذه الرؤية اطلق هذا اللفظ على النبي (صلى الله عليه آله) وعلى المسلمين لانهم يشهدون على الامم التي كذبت بالرسل ويشهد النبي على اعمال امته، { َيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} .
إكرام الشهيد:
لقد أعدَّ الله للشهداء من الكرامة، وخصهم به من النعيم في دار المقام فقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في نصرة دين الله {امْوَاتًا بَلْ} هم {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} في حياتهم البرزخية التي تكون من النمط الرفيع المقرون بأنواع النعم المعنوية العظيمة {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من عظيم البركات وعظيم الابتهاج بما أوتوا هناك، فهم {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}.



