ثقافية

حذار

ثثقفق

إحسان عبدالكريم عناد

جَلَسَ الشيخُ البصيرُ مُحدودبَ الظهرِ تسندهُ عجوزه، يحدّثُ ابناءهُ وابناءهم مكرراً على مسامعهم خلاصةَ السنينِ و حكمة موروثة (كلُ حالٍ إلى زوالٍ، و كل وجودٍ إلى عدم. و النَعمَ لا تسلِبوا انفسكم النعمَ بنكرانها و التذمرِ منها).
آذانهم تسمعُ الكلماتَ والقلوبُ ما انفكت مشغولةً بما تهوى، محجوبةً عن الحقيقةِ. قامَ أحدُ الأبناءِ يقضي حاجةً له، تَبَعَهُ آخرٌ، و آخرٌ، و لم يبقَ سوى الأطفالُ يتغامزون فيما بينهم لا يُدركونَ ما يُقالُ و لا يفهمون.
استدركَ مُردفاً علَّ في الاحفادِ من يعي ما يقالُ و لو بعد حينٍ (النعم ظاهرةٌ و باطنة، معلومة و مجهولة). اختلفَ الاطفالُ فيما بينهم تناوشوا بالأيدي و عَلا صُراخهم، فغابَ الشيخُ في زحمةِ الفوضى.
لكزَ عجوزه سائلاً إياها أن تستنهضه، تدُلَه طريقه كي يعيدَ الوضوءَ، فتناهى إلى سمعِهِ احدهُم متذمراً (متى يكفُ هذا العجوز؟ لقد خرف، كلَّ يومٍ يُعيدُ على مسامعنا هذا الكلام).
اسبغَ الوضوءَ ثم وقَفَ في المحرابِ و كانَ آخر ما قاله بصوتٍ خافتٍ: يا رب، لكي نبصرَ نحتاجُ ضوءً وعيناً سليمةً. ولكي نستبصرَ نحتاجُ نوراً وقلباً سليماً. ما ذنبُ الضياءِ إذا قذيت عينٌ بما أصابها من رمدٍ؟ وما ذنبُ النورِ إذا رانَ على القلوبِ بما كسبوا؟ فيا رب اهدهم).
سَجَدَ و لم يُحرك ساكناً بعدها. وما زالت جُدرانُ البيتِ تُرددُ الصدى (كلُ حالٍ إلى زوال، و كل وجودٍ إلى عدم، لا تسلبوا أنفسكم النِعَمَ بِنُكرانِها).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى