اخر الأخباراوراق المراقب

تحصين النفس والاستفادة من تجارب الأنبياء والأولياء

يجب أن يلتفت الإنسان إلى نفسه، ويُحصّنها من الأمراض الأخلاقية التي تمنع الالتفات لتجارب الآخرين وسماع كلامهم، كالتكبر والغرور والعناد، ويوطنها على قبول ذلك؛ لأن التجارب قضية منطقية يسير عليها العقلاء، حاضراً وماضياً، وإلّا فبماذا يفسر وجود المعلمين والمدربين والمرشدين وأصحاب الخبرة في المجتمع؟ إنها الاستفادة.

ومن هنا يظهر، أن التجربة الناجحة مبنية على مقدمات ناجحة ومؤثرة… قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “خير من شاورت، ذوو النّهى والعلم، وأولو التّجارب والحزم”.

أما المجازفة والتهور فلا تبتني على ذلك، وإنما هي مخاطرة بالنفس، والتعامل مع الأحداث بلا ضوابط أو قوانين عقلائية وهذه الحالة غالباً ما تنتشر في أوساط الشباب، خاصة في بداية تفتّحهم ونموّهم الجسمي والعقلي، حيث إن أعمارهم تتراوح بين السابعة عشر والثامنة عشر، وهي جزء من مرحلة المراهقة التي يمر بها الشباب. ومن سمات هذه المرحلة عدم النضوج الكافي، وتشوش الأفكار، وعدم الاتزان في التصرفات. وهذه تتلاءم مع روح الشباب الراغبة في الأمور المجهولة، لأنها أشياء جديدة تتفق مع أفكارهم، فهم ربما يفضلون المجهول على المعلومات التجريبية، ويتعاملون في كثير من الأحيان بالعواطف والأحاسيس التي تحكمهم بقوة، بعيداً عن الاتزان والتعقل.

فالإنسان الذي يتعامل بهذه الكيفية مع الأحداث التي تواجهه، أي حسب ما تمليه عليه عواطفه وإحساساته، بالإضافة إلى عدم امتلاكه، فكراً واضحاً يتصرف على أساسه، فيخوض الحدث بصفة المغامرة والمجازفة، لا بصفة العقلانية والاتزان ومن دون أي تخطيط مسبق أو تجربة سابقة، فيدخل الحدث وهو فاقد لإمكانية التأثير في المحيط، تكون النتائج معكوسة بخلاف ما يريد.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): “رأي الرجل على قدر تجربته”. حيث نستفيد من هذا القول الشريف، أن الذي لم تمحصه التجارب والمواقف، فإنه لا رأي سديد له، فتتّسم أعماله ومواقفه بطابع المخاطرة والمجازفة، ويكون مثله تماماً كالذي يرمي بنفسه في البحر، وهو لا يعرف السباحة، فهو في كثير من الأحيان يغرق ويموت، إلّا إذا أنجاه اللّه سبحانه فأرسل إليه من يوصله لبر الأمان؛ ولذلك فإن العقل يفرض على الإنسان الذهاب لتحصيل مقدمات السباحة مثلاً، من التمرن والتعلم على فنون السباحة وما شابه من الأساليب والمقدمات التي تساعد الإنسان بلوغ هدفه وتحصيل النتيجة، وأما غير ذلك فهو مجازفة وتهور.

الحاجة إلى أصحاب التجارب

قال الإمام علي (عليه السلام): “عليك بمجالسة أصحاب التجارب، فإنها تقوّم عليهم بأغلى الغلاء، وتأخذها منهم بأرخص الرخص”.

إن هذا القول الشريف يبين لنا ضرورة الاستفادة من تجارب الذين حصلوا عليها بالمشقة والعناء، والاتعاظ بها. وهي من صفات العقلاء، حيث قال (عليه السلام) في مورد آخر: “إنما العاقل من وعظته التجارب”.

وعادة فإن كبار القوم هم أصحاب التجارب وعلى الإنسان أن يجالسهم ويستفيد منهم، وربما يقول الشخص: لماذا نحتاج إلى تجارب الكبار؟.

إن الجواب عن هذا السؤال يرتبط بمراحل نمو شخصية الإنسان وتغيراته النفسية وغيرها، فالذي يحتاج إلى صاحب الخبرة هو الإنسان القليل الخبرة في هذه المشكلة أو تلك أو جميع المشاكل. وهؤلاء على نوعين؛ أولهما: بعض الشباب الذين ليست لديهم الخبرة بالحياة، والذين يبدأون تجاربهم من الصفر، إذ إن التغيّرات في مرحلة البلوغ تغيّر الإنسان شكلاً وحجماً، فتتولد لهم مجالات نفسية خاصة يتعاملون بها، فهم قد لا يهتمون بالعقل ويستصغرون أحكامه، فتكون تصرفاتهم غير متزنة، فيرفضون مساعدة من هو أكبر منهم سناً وأكثر تجربة، وهذا قد يكون طبيعياً منهم؛ ولكن على ذوي العقول أن يرشدوهم إلى الصواب.

والنوع الثاني: هم ذوو الخبرة بالحياة، لكن بشكل غير كاف، فيحتاجون إلى من هو أكثر خبرة منهم.

إذاً، فالحاجة للكبار ليست تقليدية، بل ضرورة حياتية تصب في كمال وسعادة الإنسان، وهذا أمر فطري في تكوين الإنسان بحيث لا يمكن الاستغناء عنه أو التنكر له.

وخلاصة القول: إن الإنسان لا بدّ له أن يستفيد من التجارب الناجحة، التي جاء بها الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، وتؤكد ذلك المبادئ الإسلامية الواضحة، فإن سيرة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) تبين كل ما هو خير للإنسان وتبعده عن كل ما هو شر، فتحث الإنسان إلى الوحدة، والأخوة، والحرية، والاكتفاء الذاتي، والعفو، ومكارم الأخلاق، والاستشارة، والاستفادة من عقول الآخرين، فإن متابعة أولئك العظماء في أفعالهم وآثارهم في مسيرة حياتهم العظيمة، تكون لنا علماً مستفاداً عند خوض تجاربنا، وتمسكنا بالشريعة الإسلامية… ومتابعة تجارب الصالحين من عباد اللّه تعالى، وسيرة علمائنا الأعلام الماضين منهم والحاضرين، تكون مقدمة لبناء النفس وبناء المجتمع الإسلامي، كما أن علينا أن نورث الأجيال القادمة أيضاً، علماً وتجارب ناجحة، ليستفيدوا منها في حياتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى