اخر الأخباراوراق المراقب

الرحمة الإلهيّة وحكمة خلق الناس

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ * وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ}.

إن اللّه سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثاً، وإنّما خلقه لحكمة، وقد أشار سبحانه وتعالى لهذه الحكمة بقوله: {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ} أي: أنه خلقهم للرحمة، فاللّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان لا لحاجة منه إليه؛ لأن اللّه غني عن عباده، وإنّما خلقه لكي يرحمه، وطريق هذه الرحمة هو العبادة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} فإنه قد يكون غرض أدنى وغرض أقصى. مثلاً: قد يخرج الإنسان من بلده لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام)، ولكنه يمر بمدينة قم المقدسة، فغرضه الأقصى هو زيارة الإمام الرضا (عليه السلام)، ولكن له غرض آخر وهو أقرب من الأوّل، وهو زيارة السيد المعصومة (عليها السلام).

إذن، فالغرض الأقصى من الخلق هو الرحمة، وطريق هذه الرحمة هو العبادة وهو الغرض الأدنى. لكن هذا الإنسان يجب أن يكون قابلاً لتلك الرحمة؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى حكيم، والحكيم لا يفعل فعلاً من دون مصلحة؛ لأن معنى الحكمة هو وضع الأشياء في مواضعها، واللّه سبحانه وتعالى رحيم وفي الوقت نفسه حكيم، وحكمته تكون السبب في أن يرحم عباده، فإذا وجدنا شخصاً لم يرحمه اللّه فلعدم الحكمة في رحمته؛ لأنه لم تكن له القابليّة لهذه الرحمة.

ولتقريب الفكرة نذكر المثال التالي: إذا كان هناك شخص كريم ورحيم، وجاء رجل فقير وطلب منه المال، وكان ذلك الرجل الكريم يعرف أن السائل سوف يشتري بهذا المال سلاحاً ويقتل به شخصاً، فهل من الحكمة أن يدفع له المال؟! إنه إذا دفع المال له فسوف يلومه العقلاء، ويقولون له: صحيح أنت رجل كريم ورحيم، ولكن في الوقت نفسه لا بدّ أن تكون حكيماً، وتجعل كرمك ورحمتك في إطار الحكمة.

والحاصل: أن اللّه سبحانه وتعالى حكيم، وحكمته تقتضي أن تكون رحمته الخاصة للمؤمنين فقط؛ لأن غير المؤمن ليست له قابلية لتلك الرحمة الخاصة، فإفاضة تلك الرحمة لغير المؤمن خلاف الحكمة، واللّه سبحانه وتعالى لا يفعل أمراً خلاف الحكمة.

بل اللّه عنده رحمة عامة للجميع، ورحمة خاصة للمؤمنين فقط قال تعالى: (وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فينبغي على الإنسان أن يجعل نفسه قابلة لتلك الرحمة الخاصة، حتى يفيض اللّه سبحانه وتعالى بحكمته عليه منها.

القابلية للرحمة الخاصة

ولكن كيف يجعل الإنسان نفسه قابلاً لتلك الرحمة؟

والجواب: أن ذلك يتم من خلال الإيمان والعمل الصالح؛ لذا نجد في الآيات الشريفة التأكيد على ذلك، قال تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا}.

إن المشكلة تكمن في الإنسان نفسه، حيث إن نفسه ترغّبه في الكسل والفرار من المسؤوليات والاستسلام للشهوات، قال تعالى: {إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ} ومن ذلك التسويف، حيث إن النفس تخدع الإنسان بالتسويف، وخلق الأعذار؛ لأن الإنسان بطبعه يريد أن يدافع عن نفسه، وإذا كان مُداناً فلا تعجبه هذه الحالة.

مثلاً إذا لم يؤدِ الواجبات، وكان مقصراً في الفرائض، فسوف يدافع عن نفسه، ولا يريد أن يتحمّل المسؤولية، فالنفس تسوّل له ذلك، بحيث إنه يشعر أن ضميره مرتاح؛ لأنه إذا خدع نفسه ينام براحة بال، ومن تسويلات النفس أنها تأتي بالأعذار الواهية، لكي يقتنع الإنسان، ويكون مرتاح الضمير.

لذا على الإنسان أن لا يفرّط في الواجبات، ولا يُصغي إلى نفسه الأمارة بالسوء؛ لأنها خدّاعة، فالنفس تخدع الإنسان وتصوّر له الأعمال السيئة بصورة حسنة: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ} وإذا ارتكب السيئات فسوف تبرر النفس فعله.

إنه يجب على الإنسان أن يلتفت لذلك، ويحاول ترويض نفسه والاهتمام بالعمل الصالح، فأي عمل يقوم به ـ سواء كان من الأعمال الصالحة أم من الأعمال الاجتماعية المختلفة ـ ينبغي أن يضع في باله احتمال أن يكون هذا العمل غير صحيح، فلعل النفس في حالة خداعها تصور له صحة العمل مع كونه رياءً مثلاً.

إن العمل السيئ له آثار، والعمل الحسن له آثار أيضاً، فإذا ابتلي الإنسان بسيئات عمله فالنفس دائماً تبرر له ذلك، وتقول له: إنك على حق، وهذا سوف يؤدّي إلى أن لا يقوم الإنسان بواجباته، ويسوّف في أعماله، وبعد ذلك يمضي عمره وينتهي، ويـوم القيامـة يكون فـي حسرة: {وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ} فلا يوجد هناك رجوع لتدارك الأمر: {حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى