اخر الأخباراوراق المراقب

المسلمون والمسؤولية التأريخية تجاه لبنان وفلسطين

محمد علي جواد تقي..

بماذا تختلف العائلة اللبنانية أو الفلسطينية عن أية عائلة مسلمة في أية بقعة من هذه الأرض؟.

جانبان يشطران المشهد اللبناني الدامي حالياً، بعد المشهد الفلسطيني –الغزاوي-: المشهد السياسي والمشهد الانساني.

الى جانب مشاهد الأشلاء المستخرجة من تحت الانقاض، والمصابين بجروح، لاسيما الاطفال، ثم مشاهد جموع اللبنانيين النازحين الى مناطق آمنة بعيدة عن استهداف المقاتلات الاسرائيلية، تُعد إفرازاً لسوء الأداء السياسي الغربي والامريكي الداعم لاسرائيل في ممارساتها العدوانية، بيد أن الجانب الانساني له تأثير مباشر –احياناً- على القرار السياسي، وإن كان بصفة ذرائعية كما يدعي نتنياهو بأنه حريص على توفير الأمن لسكان المستوطنات في شمال الاراضي المحتلة بدعوى حقّهم التأريخي والديني في العيش بسلام ورفاهية في “أرض الميعاد”.

لا نخوض في الدوافع الدينية لهذا الصراع، إنما المهم لدينا تعزيز الجانب الانساني ليكون داعماً للجهد السياسي وليس العكس، وأكدنا في مقالات سابقة حاجة الأمة بشكل عام الى تنشيط ثقافة التضامن المحصورة في بطون الكتب الأخلاقية والتأريخية الممجدة لعهود ذهبية عاشها المسلمون واليوم يعدونها من الماضي، مع كونها إحدى مقومات الحضارة الاسلامية.

ولا أشك باستفادة اليهود من تجربة الحضارة الاسلامية في تكوين نسيج تضامني عالمي يحقق لهم أكبر هدف تأريخي وهو الخلاص من التشرذم والاحتقار والاستضعاف، فهم كأتباع ديانة سماوية لا يتجاوز عددهم حوالي الخمسة عشر مليون يهودي ولكنهم تمكنوا من توظيف مؤسسات إعلامية كبرى في العالم، ليس لرفع الكراهية عن الانسان اليهودي، لاسيما في أوروبا، وإنما لخلق صورة كريهة للانسان المسلم، وأنه مظهر للفوضى، والتخلف، والعنف، وعلى الصعيد السياسي أن “دويلة اسرائيل” نموذج للنظام الديمقراطي بين الدول الاسلامية، حتى تسللت هذه الصورة الى أذهان بعض الكتاب والمثقفين المتذمرين والمحبطين “بأننا أمام دولة مؤسسات، وهي الدولة التي لا تطلق الرصاص الحيّ على المتظاهرين الفلسطينيين ويحترمون الإعلام”! ولعل هذا الجهد الاعلامي والدعائي هو الذي حيّد موقف الكثير من الشعوب الاسلامية حالياً، فضلاً عن المواقف الرسمية.

ولا أجدني بحاجة الى مزيد من النصح والتذكير بالروايات الشريفة عن المعصومين بوجوب استشعار آلام الآخرين بين افراد الأمة، إنما واجب التذكير بالرصيد الحضاري الكبير بمنظومة قيم أخلاقية وانسانية عاش في ظلها المسلمون طيلة قرون من الزمن بأمان وسلام و ازدهار، واذا نلاحظ الاستقرار الاجتماعي في بعض الدول الاسلامية –إن لم نقل معظمها- رغم الاسقاطات السياسية للانظمة السياسية الفاشلة، فإن الفضل يعود الى آثار تلك المنظومة في حياة الناس، فما تزال التقاليد والعادات والآداب محترمة لدى الشعوب الاسلامية، ومنها؛ العلاقات الاجتماعية، بغض النظر عن النسبة الموجودة على ارض الواقع.

ولعل العراق يكون نموذجاً يُحتذى به في مواقفه التضامنية مع قضايا الشعوب المسلمة ربما لتذوقه معاناة الحصار الاقتصادي في سني التسعينيات، وتجرعه مرارة الحروب طيلة ثلاثين سنة مما يجعله متفهماً ومستشعراً لمعاناة اللبنانيين والفلسطينيين اكثر من سائر الشعوب، بيد أن هذا لا يعني أن يكون الانسان فقيراً مدقعاً ثم يستغني حتى يستشعر مرارة الفقير، فثمة دول وشعوب اسلامية بإمكانها تقديم الكثير من المعونات المادية والمعنوية لانقاذ ما يمكن انقاذه وسط مشاهد مؤلمة للمشردين والمصابين بجروح، والفاقدين للمعيل، وجحافل الايتام والارامل.

إن تحرك المؤسسات الثقافية والدينية والاجتماعية في البلاد الاسلامية نحو لبنان وفلسطين يُعد قراراً تأريخياً أراه يفوق في تأثيره على النفوس، التحرك العسكري لتحقيق انتصار في جبهة ما، لأن القوة المعنوية هي التي تصنع القوة المادية على الأرض، كما أثبتت تجارب التأريخ، وهذا ما يحتاجه اللبنانيون والفلسطينيون بالتحديد، وهو ايضاً؛ ما تهابه اسرائيل والقوى التي تقف خلفها، وتراهن على عدم تحقيقه حتى لا تكون للموقف الانساني والاخلاقي يدٌ طولى على القرار السياسي بالإبقاء على التفوق الاسرائيلي في المنطقة على كل الصُعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى