اراء

على خلفية شماتة بعض المتصهينين في المقاومة.. تحرير الأنفس أصعب من تحرير الأوطان

بقلم: د. طارق ليساوي..
حاولت في مقال “تفجيرات البيجرات وجينات التصهين” تحليل أبعاد ودوافع شماتة بعض المتصهينين من بني جلدتنا، وفرحهم وسرورهم بتفجيرات البيجرات والهجمات العدوانية التي يتعرض لها لبنان عامة وحزب الله والمقاومة خاصة، وأن هذا الاندفاع المرضي والسلوك الشاذ والمنحرف، يعبر في جوهره عن إنحراف أخلاقي وسلوكي وخلل في التربية والتعليم والتدين، لذلك أشرت إلى أن الخروج من دورة الانحطاط والتيه لا يمكن أن يتم بدون تعليم نافع وبدون صحة سليمة وقيم أخلاقية سامقة وسليمة، وكما يقال “العقل السليم في الجسم السليم” ونضيف “في الوطن السليم”، السليم من الفساد والاختلالات والاختلاسات وهدر الموارد المادية واللامادية، السليم من “البارونات” ومن تحكم أصحاب ”الشكارة”، السليم من علة زواج المال بالسلطة، والسليم من داء تهميش واحتقار العلم والعلماء..
حياة الماعز :
فغريب أن نجد بعض الشامتين عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم الأساسية والطبيعة، من صحة وتعليم وشغل وعيش كريم، في بلدان تم فيها تسليع كل شيء حتى الإنسان أصبح سلعة تباع وتشترى، مجرد رقم لا قيمة له ولا معنى، بلدان ونظم عجزت عن توفير ”العلف” لمواطنيها إلى درجة أن أغلب مواطنيها أصبح حلمهم الهروب من الوطن، أما الحرية والكرامة ومعالي الأمور فلاحديث عن هذه القيم في بلدان ”العبودية المختارة”، ولست هنا بوارد تحميل المسؤولية للنظم والنخب الحاكمة فقط، فقد أصبحت أومن بأن الشعوب العربية مشاركة في صناعة واقعها البئيس، وانها مشاركة في جريمة اغتصاب الأوطان وإضاعة المستقبل وتبديد الموارد، وانحراف التنمية وفشل السياسات، وهذا المواطن الذي يعيش حياة الماعز، هو نفسه من تجده يفرح لهزيمة المقاومة ولعدوانية الاحتلال الصهيوني.
شركاء في الانحطاط
وصدق القول المأثور “كما تكونوا يولى عليكم”، وذات المعنى ورد في قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (سورة الأنعام 129) وقد شرح الإمام ابن القيم رحمه الله هذه الأية فقال: (وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم: فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمّالهم ظهرت في صور أعمالهم. وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم. ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة فحكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم وكل من الأمرين موجب الحكمة و مقتضاها) (مفتاح دار السعادة ج٢ ص١٧٧-١٧٨)..
سيكولوجية الشامتين
وأحيانا علينا الاعتراف أن بعض العقول لا تفهم الكلام المعقد والمركب، بل لا تملك القدرة والملكة للقراءة وفهم واقعها أولا ومحيطها الإقليمي والدولي ثانيا، وتبعا لذلك، فإنها توجه سهام النقد والهجوم والتجريح والقذف باتجاه كل من يرغب في تحريرها وتحسين ظروف عيشها وتكريم أدميتها، وسلوكها يذكرني بالعبارة الشائعة ”تود العاهرة لو كل النساء عاهرات” لأن الشرف والطهر الذي هو القاعدة في النساء والرجال، يذكر “العاهرة” بنقصها وخبثها وضعفها وعجزها في إختيار حياة نظيفة وسليمة، بدل الارتماء في أحضان الرذيلة والخبث..
وقياسا على ذلك، فإن الشامتين في المقاومة اللبنانية والفلسطينية، يدركون في أعماق ذواتهم أنهم أنذال وأذلاء وضعفاء، لانهم لا يملكون الشجاعة والقدرة والإرادة بل وحتى النية، لمناهضة الاحتلال والسعي للتحرر من قبضته، وبدلا من مناهضته ومقاومته فإنهم يسجدون ويركعون له وينظرون له بإعجاب، وعندما فقدوا القدرة على المواجهة وغلبتهم شقوتهم وجبنوا على أن يكونوا رجالا، وجهوا سمومهم وحقدهم بإتجاه المقاومة التي توجه سلاحها للمحتل والعدو الصهيوني أولا و أخيرا ..
من عبادة فرعون إلى عبادة العجل:

ولعل هذا السلوك المرضي يدفعنا إلى تحليل هذه السيكولوجية التي تقدس المستبد والطاغية، فالشعوب التي تعاني من القهر والاستعباد تطبع مع العبودية والطغيان، ولفهم هذه السيكولوجية لنتأمل قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم، فبالرغم من تحرر بنو إسرائيل من بطش فرعون وجنوده وما سامهم به من العذاب المهين: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) (البقرة 49).. وبعد أن أنجاهم الله تعالى من هذا العذاب والبلاء العظيم من دون جهد منهم أو عناء، فأغرق فرعون وهامان وخسف الأرض بقارون، وابتعث أمة بني إسرائيل من جديد وأكرمهم بالمن والسلوى، لكن هل انتهت قصة الاستعباد في بني إسرائيل؟! بل على العكس ازدادوا ذلة واستعبادا، فاستبدلوا فرعون وزبانيته بعجل السامري وانتقلوا من عبادة البشر إلى عبادة العجل قال تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة 92) ..
تحرير الأنفس أصعب من تحرير الأوطان
فالنفوس التي ألفت الخضوع وذاقت طعم القهر والذل، حتى إذا وجدت من يحررها، فإنها سرعان ما تصنع لنفسها معبودا وطاغية جديدا لإشباع حاجتها من الاستعباد والدونية المتمكنة من نفسيتها، وما يحدث في غزة ولبنان من تضحيات جسيمة دليل على أن تحرير النفوس أخطر وأصعب من تحرير التراب والحجر، فالمقاومة المسلحة لابد لها من شعب وبيئة حاضنة تحميها من غدر الحاقدين وتغديها بالرجال والأموال، فحماس وغيرها من حركات المقاومة نتاج لبيئة مقاومة وشعب تواق للحرية والكرامة، فتحرير الأنفس والعقول أصعب من تحرير الأوطان، وإرساء قيم الحرية والكرامة عنصر أساسي وجوهري في تحقيق الاستقلال السياسي وإقامة نظم الحكم الرشيد والتأسيس لمجتمع النهوض والصعود الحضاري والإنساني ..
تراجيديا سوداء
ولأقرب للقارئ المشهد و-تحديدا القارئ السطحي- الذي ينتمي إلى فئة “الشامتين” سأحيله إلى مسرحية “الزعيم” للفنان المصري عادل إمام فهذه المسرحية الهزلية مزجت بين الكوميديا والتراجيديا، وتعد بحق أفضل تأريخ فني وسياسي لواقع الفساد السياسي والإستبداد والتجهيل والتفقير والاستحمار والتضبيع و“البكرنة” لعموم الشعوب العربية.. ومما جاء في المسرحية أن الشعب ينبغي أن يكون فقيرا لتسهل السيطرة عليه والتحكم فيه، والمسرحية لم تجانب الصواب ولم تبتعد كثيرا عن الواقع، فالفقر والجهل يستوطن ويتوسع بكثافة في ظل الأنظمة الغير ديموقراطية..
لكل فرعون موسى
وإذا عدنا للاستحقاقات الانتخابية و“حياة الماعز” التي شهدتها البلدان العربية طيلة العقود الأخيرة، سنفهم دور الفقر والجهل في صعود زعامات وهمية، مكانها الطبيعي هو السجن أو المشانق، لانها متورطة في قضايا الفساد والخيانة الوطنية والإثراء غير المشروع.. وفي تبني سياسات عمومية لا غاية لها إلا تأبيد “حياة الماعز” والعبودية الطوعية وخدمة “فراعنة العصر” وهؤلاء الفراعنة هم “الصهاينة” أرباب المال والذهب وأسياد المكر والدجل، المتحكمين في البيت الأبيض وأغلب الحكومات الغربية، فالبيت الأبيض والإليزيه وداوننغ ستريت، هم المتحكمين في اغلب نظم “سايكس – بيكو”، التي لا تستطيع شراء طائرة أو رصاصة إلا بإذن هؤلاء السادة، لكن ”موسى” فراعنة العصر وحلفائهم، هم رجال المقاومة وجند الله وأصحاب الكلمة الفصل في تقرير مصير أوطانهم وفي تحرير الإنسانية من عبودية عجل السامري ورسم ملامح نظام عالمي جديد يعيد للإنسان حريته وكرامته المغتصبة.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى