بغداد بعدسة محمد ديجان.. صور تحكي ما وراء الصمت

المراقب العراقي/ وليد أرشد..
في أعماق بغداد، بين الأزقة التي تحكي قصص الماضي، يسير محمد ديجان، المصور الفوتوغرافي الذي يحمل بين يديه، سحر اللحظات، وعدسة تلتقط همسات الزمن، يمشي بخطواتٍ هادئة، كأنه يسمع نبض المدينة في كل حجرٍ وجدار، يبحث عن التفاصيل التي تُخفيها الأيام تحت غبار الزمن.
الجدران التي يمرُّ بها محمد ليست جدرانًا صامتة، بل صفحات من كتاب بغداد القديم، كل خدشٍ فيها يحمل قصة، وكل لونٍ باهت هو شاهد على زمنٍ مضى، يقترب محمد من تلك الجدران، يلمسها بنظره، وكأنما يستدعي الأرواح التي سكنتها، عدسته تُصبح مرآةً لذكريات بعيدة، تُخرج الحكايات من طيات الزمن وتنثرها أمام عينيه.
الأبواب القديمة في أزقة بغداد، تلك التي تتحدث بألسنة الماضي، تلفت انتباه محمد، يرى في كل باب حكاية، خلف كل خشبةٍ مشققة سرًا دفينًا، الأبواب بألوانها المتهالكة ومفاصلها الصدئة، تُصبح شواهد على عصورٍ وأجيال، تفتح ذراعيها لتُظهر للعدسة خفاياها، محمد يُدرك أن كل بابٍ هو بوابة لعالمٍ آخر، عالم مليء بالأصوات الضاحكة والدموع المنسكبة، بالعشاق الذين عبروا والأحلام التي أُغلقت خلفها.
يسير محمد في الأزقة المتعرجة، الأزقة التي تشبه المتاهة، يمشي وكأنه يرقص مع ظلال الجدران، يتبع خطوط الضوء التي تتسلل عبر الشقوق، يلاحق اللحظات الهاربة، الأزقة تروي له عن الأطفال الذين لعبوا هنا، عن النساء اللاتي تبادلن الضحكات والأحاديث من النوافذ، وعن الباعة الذين نادوا على بضاعتهم في سوقٍ لم يعد موجودًا.
الصور التي يلتقطها محمد ديجان ليست مجرد لقطات فوتوغرافية، بل هي قصائد مكتوبة بنور وظل، كل صورة تحمل معها نغمةً من نغمات بغداد، ترتفع في فضاء الزمن وتعود لتسكن في قلب المدينة، محمد يعرف أن العدسة ليست مجرد أداة، بل هي لغة تكتب بها حكايات الأماكن، تروي بها أسرار الأزقة.
في إحدى اللقطات، يلتقط محمد صورة لبابٍ قديمٍ مُتهالك، يقف مفتوحًا على مصراعيه، وكأنما يدعو من يمر ليكتشف ما وراءه، في الصورة يبدو الباب كأنه فمٌ يحكي عن حبٍ قديمٍ ونسيان، عن رحيلٍ وعودة. وفي لقطاتٍ أخرى، تروي الجدران المتشققة قصصًا عن الحب والحرب، عن الأمل الذي مازال يعيش في قلوب أهل بغداد رغم كل شيء.
محمد ديجان لا يكتفي بالصور، بل يستمع إلى ما تخفيه تلك اللحظات، يستمع إلى الحكايات التي تحملها الظلال، ويترجمها إلى لقطات تروي للبشر ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
يمضي محمد في أزقة بغداد القديمة، يحمل معه عدسته وحبًا لا ينتهي لتلك المدينة، يحاول أن يصطاد الجمال في كل زاويةٍ وكل شقٍ من شقوق الزمن. في كل صورة يلتقطها، يُعيد بناء جسرٍ بين الحاضر والماضي، ويمنح الناس فرصة لرؤية بغداد كما يراها هو، مدينة مليئة بالحكايات، مدينة تتحدث رغم صمتها.
محمد ديجان ليس مجرد مصور، بل هو راوي قصص، يستخدم الضوء والظل ليحكي حكايات المدينة، ليُحيي الأرواح التي مازالت تسكن بين الأزقة. في كل صورة يلتقطها، يُحيي محمد جزءًا من روح بغداد، يُعيد الحياة للأماكن التي يُخيل لنا أنها نست النبض، ويجعلنا نرى أنه في كل زاويةٍ حكاية، وفي كل شقٍ من الجدران تاريخ، وأن بغداد ستبقى دومًا مدينة الحكايات.



