الشعائر الحسينية بين الطرد والجذب

محمد علي جواد تقي..
الفعاليات والنشاطات لإحياء ذكرى الإمام الحسين “عليه السلام” في شهري محرم وصفر تحت عنوان “الشعائر الحسينية”، تمثل محاولة للارتباط بالإمام الحسين وقضيته، ومواساته في مصابه، فمن يقوم بهذه الأعمال كمن يدخل المدرسة أو الجامعة، فهو يريد اكتساب العلم والمعرفة، ليكون متعلماً وعالماً، هنا السؤال؛ هل ثمة مواصفات معينة لشخصية الداخل الى مدرسة النهضة الحسينية، كأن يكون قد أمضى دورة تأهيلية مثلاً أو له ظاهر معين، أو سلوك خاص؟ هناك رأيان في الساحة حول الموضوع:
الاول: يجب توفر جانب العلم والثقافة والمعرفة، فتكون الرؤية للذكرى عقلية، وأي عمل لأجل إحياء مصاب الإمام الحسين، لا بدَّ ان يؤيده العقل قبل أن يظهر الشارع، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة جوهرية في سياق الاحتكام الى العلم، بأننا نفتقر بشدّة الى النصوص التاريخية الصادقة التي تكشف لنا حقيقة ما جرى على الإمام الحسين وعلى أهل بيته خلال ظهيرة يوم العاشر من المحرم، وحتى خلال مسيرة السبايا، وقد اتفقت آراء العلماء (الجامعات والحوزات) على أن التاريخ كتبته أيادي السلطة الأموية، فهو لا يعكس الحقائق إلا جزء بسيط منها، وما يرتبط بالحكام، مثل الحوارات التي جرت بين الإمام الحسين، وبين جيش عمر بن سعد في ملحمة الطف، وما جرى بين أسرة الإمام الحسين، وعبيد الله بن زياد، ومن ثم يزيد في الكوفة والشام. أمام سائر التفاصيل فلم يشملها التدوين، إلا ما وصلنا عن طريق الأئمة المعصومين “عليهم السلام”.
أما الرأي الثاني: فانه يغلّب العاطفة والمشاعر والحماس وكل ما له صلة بالنفس والقلب أو ما نطلق عليه بالوجدان والضمير الانساني، فيطلقون العنان للخيال لوصف المأساة، وتجسيد الواقعة، في محاولة لتقريب الصورة المؤلمة وما جرى على أهل البيت، لتحقيق الهدف الأسمى وهو؛ المواساة لهم.
كل هذا لا يشترط فيمن تصدر عنه، أن يكون متعلماً أو جاهلاً، ملتزماً دينياً أو منفلتاً، صغيراً كان أم كبيراً، ويبدو أن الخيار كان أوفر حظاً في جذب أكبر عدد من الجمهور طيلة العقود والسنوات الماضية، فنرى الطفل الصغير يلطم ويساعد في توزيع الطعام والشراب، وفي مرحلة متطورة؛ شقّ طريقه الى المنبر ليكون منهم الرادود المبدع الذي يلهب الحماس والعاطفة في قلوب الكبار.
بين هذا وذاك، يقف علماء الدين موقف التقويم والتسديد للخروج بشعائر حسينية تجمع بين المواساة لما مضى، والتربية والتعليم للحاضر والمستقبل، بما يعني؛ الاستلهام من النهضة الحسينية، بما فيها من مصاب وآلام ودموع ودماء، لبناء الانسان والأمة حتى لا يكرروا تجربة أهل الكوفة عام 61 للهجرة مع الإمام الحسين، فتكون حياتهم وفكرهم وسلوكهم مبنية على الأخلاق والحرية والمساواة وأحكام الدين، وهذا يكون على مسارين: الاول: التوازن بين العقل والعاطفة، وأن يكون الإمام الحسين عند المعزين جميعاً، عِبرةً وعَبرة، والمسار الثاني: جعل الشعائر الحسينية بكل أشكالها باباً واسعاً لجذب أفراد المجتمع، وتحديداً الشباب لخوض تجربة التغيير والإصلاح كما سعى له الإمام الحسين قبل وقوع المعركة مع جيش عمر بن سعد، وكانت النتيجة الباهرة والعظيمة في الحر الرياحي.
فكرة التوازن بين العقل والعاطفة لاقت تفاعلاً كبيراً في الأوساط العلمية والاجتماعية بشكل عام، ولا غبار عليها، إنما فكرة الجذب المقابلة للطرد تحتاج الى نضج فكري وثقافي يتيح لها المشاركة في المشروع التربوي والإصلاحي للنهضة الحسينية.
الشباب اليوم ليسوا الشباب قبل أربعين أو خمسين سنة، تبدل المظهر، والسلوك، والتفكير بسبب التطورات المحيطة بنا، والثقافات التي عجزنا عن مواجهتها بثقافة اسلامية أصيلة كالتي كانت سائدة بشكل عفوي وفطري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهذا بسبب تراجع الدور التربوي للأسرة والمدرسة على وجه التحديد، وهو بدوره يعود لأسباب لسنا بوارد الخوض فيها، إنما هي اشارة سريعة لفهم الوضع القائم، فان شريحة واسعة –لا نحدد النسبة- من شبابنا اليوم مرجعيتهم ليست دينية وإنما “انترنتية”، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وفي أحسن الافتراضات؛ المؤلفات المترجمة وأحاديث الجدل والمهاترات على صفحات التواصل الاجتماعي، فالشكّ سيد الموقف وليس الإيمان، مما يدفع علماء وخطباء لتبني مشروع الجذب، وإلغاء أي نوع من الطرد لهؤلاء من المراسيم الحسينية بشكل عام، مهما كان مظهرهم وسلوكهم، في محاولة لاستيعابهم في المدرسة الحسينية، ومن ثم إفساح المجال لهم لأن يغيروا أنفسهم بأنفسهم.
وعند هذه النقطة تحديداً، يتخذ الجميع موقفاً إزاء دخول شريحة من الشباب الى أجواء العشائر الحسينية، لا يشبهون كثيراً سائر الشباب والناس، ولنقُلْ انهم قادمون من عالم الانترنت أو عالم الكوفي شوب – مثلاً – فهم يعودون لعوائل شيعية تؤمن بالله والنبي وبالقرآن الكريم وبالأئمة المعصومين، ويزور الآباء والأمهات المراقد المشرفة، ولكن؛ من دون هؤلاء مع الاسف، مما يفترض تظافر الجهود لنضوج هؤلاء وتأهيلهم لدخول المدرسة الحسينية، لأن مراسيم اللطم والمشي والعزاء وغيرها ليست عالماً افتراضياً مثل الانترنت، بقدر ما هو عالم حقيقي متصل بنفس وذات الانسان، مما يتعين عليه أن تكون كل حركة في هذا الطريق عن وعي كامل، وفهم لما يصدر من الكلام والعمل، بحيث يمكّن صاحبه من تفسير عمله لأي سائل أو حتى شكاك.
وبذلك؛ فان هؤلاء الشباب سيدخلون بظاهر وسلوك وتفكير معين، ويخرجون بغير ما كانوا عليه، عندها يكون الجذب مفيداً، ونعرف أن الطرد قد يكون سبباً من أسباب تكريس الانحراف والابتعاد عن قيم الدين والأخلاق التي تصدح بها المآتم والمجالس والشعائر الحسينية.



