اخر الأخبارثقافية

منير أحمد الخطاط.. الجنوبي صاحب التعبير الصامت والرافض للواقع المرير

المزاوجة بين سحر اللون وحرية الحرف

المراقب العراقي/ رحيم يوسف…

لعل معظم الفنانين يتشاركون في ميزة واحدة هي عملية التأثر أولاً، والتأثير فيما بعد، فلم ينطلق أي فنان من الفراغ باتجاه التعلم أولاً والابداع فيما بعد، مع ان الابداع مرهون باستيعاب الفنان للدرس التأثيري يشكل الأساس في عمله المستقبلي، لأننا خبرنا عملياً أعداداً لا تحصى من الفنانين الذين مُورس عليهم تأثير ما ودرسوا الفن أكاديميا، دون ان يتمكنوا من الابداع في مجالاتهم التي تأثروا بها أو درسوها، والأمر هنا يتعلق باستعداد الفنان ودرجة فهمه ووعيه للعملية الفنية، من أجل ان يستمر بذلك، فتمارس التأثيرات المبكرة سحرها على الفنان، لتشكل النواة الأولى لمسارات عمله مستقبلا، وذلك عبر استيعابه للدرس العملي الماثل أمامه.

ولعل جمالية الخطوط وانسيابيتها هي التي حددت مساراً للفنان منير أحمد الذي بدا مبكراً وهو يكتشف ذلك السحر الكامن في الحرف العربي الذي واكبه طوال حياته فيما بعد، فقد كانت التأثيرات الأولى لعمله من خلال والده الخطاط والشاعر الغنائي الفنان أحمد الخطاط في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عمه كاظم الخطاط، ليبدأ بعد ذلك أولى خطواته العملية عبر افتتاح محل يمارس فيه الخط في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ليواصل العمل على مشروعه حتى وقتنا الحالي.

منير الذي بدأ اكتشاف روحية الحرف وتشكلاته الصورية، ليدفعه ذلك باتجاه استلهام تلك الروحية بأعمال زاوجت بين الخط كروح كامنة واللون باعتباره أداة تعبير تتخطى الحرف كثيرا، ليعبر عن رؤيته للفن عبر السطوح التصويرية التي تمازج ما بينهما، وهو بذلك أفصح عن نيته بالتمرد على مرجعياته الأولى التي تركت تأثيرها فيه، ولربما كانت زيارته القصيرة الى بغداد، دافعا مهما ساهم في تعميق رؤاه باتجاه السطح، وعلى الرغم من نجاحه في انتاج سطوح تصويرية ذات جمالية واضحة، إلا انه لم يتخلَ تماما عن الحرف، ليحوله الى داعم جمالي في تلك السطوح وهو يعمل بلذة العارف المتمكن. 

عبر معرض شخصي أقامه في العام ٢٠٠٦ والعديد من المشاركات عراقيا وعربيا، تمكن الفنان منير احمد من وضع اسمه في دائرة التلقي وفرض اسمه بين الأوساط الفنية التي اهتمت بما ينتجه من أعمال فنية زاوجت بين الخط واللوحة المسندية كما أشرت، وهو ككل أبناء الجنوب راح يجسد ما حوله من مشاهد ماثلة أمامه، أو ما ترسخ في ذاكرته في هذا المكان المبتلى بالحيف منذ الأزل، ليراهن بذلك على قدرة الانسان على التغيير باتجاه مستقبل أفضل مهما امتد الزمن.

منير الذي يفهم جيداً قدرات اللون وطاقاته التعبيرية عبر تمازجه مع الحرف، يميل كثيراً باتجاه اللون الأسود في معظم سطوحه التصويرية، ليصبح العامل الأساسي المشترك الرابط بين السطوح، ومع ان يلجأ الى تشكلات لونية يحاول من خلالها مراوغة اللون الأسود إلا انه يبقى طاغيا على السطوح، وتلك التنويعات اللونية التي يحاول من خلالها بث روح الجمال في السطح التصويري مع تكثيف وتنوع لمصادر الضوء فيها جميعا دون استثناء، إلا انه وفي لحظات من التوتر يدون بصريا تشابكا للحروف يمتد حتى فضاء السطوح، ولعل مرد ذلك التوتر يأتي من خلال توتر نفسي يتماهى مع الضغط الهائل الذي يتعرّض له الانسان من الظروف والأحداث التي تحيط به لتأتي تلك التشابكات كتعبير عن الرفض لكل ذلك، لكنه تعبير صامت ورافض لما يجري، وهذا ما يتمثل في سطح تصويري مثل فيه مجموعة من الأوراق الشراعية تائهة في أفق مجهول دونها باللون الأسود وتدرجاته مع استخدام الكثير من مساقط الضوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى