الثورة الملونة.. لماذا نجحت في بنغلادش وفشلت في لبنان؟

بقلم: د. تمارا برو..
أدت الاحتجاجات الطلابية، التي تحولت إلى مواجهات دامية بين المحتجين والشرطة في بنغلادش، إلى استقالة رئيسة وزراء البلاد الشيخة حسينة، وهروبها إلى الهند البلد الداعم للرئيسة المخلوعة.
في أثناء فترة حكمها، عملت الشيخة حسينة على قمع معارضيها وسيطرة على الإعلام والجيش والقضاء، الأمر الذي ولد الخوف والإحباط لدى المواطنين من حكومة الشيخة حسينة، التي تولت الحكم لفترة 15 عاماً متتالية، وعزوف المعارضة عن المشاركة في الانتخابات.
كانت الشيخة حسينة حليفة أساسية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث قمعت الجماعات المسلّحة المناهضة للهند، ووفرت حماية للهندوس في بنغلادش، وطورت العلاقات الاقتصادية والدفاعية مع نيودلهي. بالمقابل كانت علاقاتها مع الصين، المنافس الاستراتيجي للهند، جيدة على الرغم من الضغوطات الهندية التي كانت تمارس على بنغلادش لرفض بعض الاستثمارات الصينية في البلاد. كما أن العلاقات العسكرية بين دكا وبكين كانت مصدر قلق للهند. ومع ذلك حاولت الشيخة حسينة الموازنة في علاقاتها بين الهند والصين، مع التركيز على عدم إغضاب الهند. فمثلاً كانت الصين ترغب في الاستثمار بمشروع نهرTeesta ، إلا أن الهند دخلت على الخط وأعلنت عن اهتمامها بالمشروع ما دفع رئيسة الوزراء المخلوعة إلى الموافقة على الطلب الهندي، الأمر الذي أزعج بكين، التي منحت بنغلادش مساعدات اقتصادية بقيمة 137 مليون دولار بدلاً من 5 مليارات دولار كانت الشيخة حسينة قد طلبتها من الصين قبل زيارتها بكين الشهر الماضي.
ليس من مصلحة الصين تغيير السلطة في بنغلادش لأسباب عدة إذ إن من الممكن أن لا تكون عملية تشكيل حكومة جديدة يسيطر عليها حزب خالدة ضياء، الحزب القومي البنغالي المعارض سلسة. حتى لو كان الأخير لديه علاقات جيدة مع الصين ومتوترة مع الهند، إلا أنه حليف لواشنطن وبالتالي يمكن أن يفضل الأخيرة على بكين.
وفي إطار آخر، يمكن أن لا تكون عملية تشكيل حكومة جديدة سلسة وتدخل البلاد في نفق مظلم تسيطر عليها أعمال العنف والاضطرابات، مما يؤثر على الاستثمارات الصينية في البلاد، خاصة أن نجل الشيخة حسينة قد صرّح بأن والدته ستعود إلى بنغلادش قبيل الانتخابات، ما يعني أن حزب الشيخة حسينة سيدخل في تنافس مع أحزاب المعارضة.
ما يثير الاهتمام ما أدلت به الشيخة حسينة في أحد اجتماعاتها بعد فوزها بالانتخابات، التي جرت بداية العام الحالي، من أن رجلاً أبيض عرض عليها إعادة انتخابها بدون أي متاعب مقابل إقامة دولة مسيحية في أراض من بنغلادش وميانمار، مع بناء قاعدة جوية أجنبية في بنغلادش، وهو ما رفضته الشيخة حسينة.
وفي تشرين الثاني الماضي، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية مارايا زاخاروفا أن السفير الأميركي لدى بنغلادش، بيتر هاس، وممثلاً رفيع المستوى من المعارضة البنغالية، ناقشا خطط تنظيم احتجاجات حاشدة مناهضة للحكومة في البلاد. ومن المحتمل أن تكون الولايات المتحدة هي وراء الثورة الملونة في بنغلادش نظراً لعدم ارتياحها لحكومة الشيخة حسينة، ورسالة إلى ناريندرا مودي بسبب زيارته إلى روسيا الشهر الماضي، ورفضه الاستجابة للمطالب الأميركية هي السبب بتوتير الأجواء مع الصين على الحدود بين البلدين. وبذلك أصبحت الهند جارة لثلاث دول لديها علاقات متوترة معها:باكستان وبنغلادش وميانمار مما يسمح للولايات المتحدة الأميركية بالضغط على الهند عبر هذه الدول.
شهد لبنان في العام 2019، تظاهرات شارك فيها الآلاف احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة والتي ازدادت يوماً بعد يوم نتيجة الانهيار الاقتصادي، الذي لم يشهد له لبنان مثيلاً من قبل، ومن أهم أسبابه الفساد الذي استشرى بشكل كبير .
ولكن سرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى ساحات استعراضية، وتحولت المطالب المحقة للمتظاهرين بتحسين الأوضاع الاقتصادية إلى مطالب غير اقتصادية تثير الريبة والشك. واستغلت العديد من الدول هذه التظاهرات لتغذيتها، وإحداث الاضطرابات وأعمال العنف والمواجهة مع السلطات الأمنية. ولم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل بطبيعة الحال بعيدتين كل البعد عن دعم التظاهرات، فما لم تستطيعا أخذه بالحرب أو إشعال الفتنة الطائفية حاولتا أخذه في السياسة والفوضى.
إلا أن بعض الجهات والفئات اللبنانية كانت متيقظة للمكيدة التي تحاك للبنان. فعملت على إحباط المخطط الذي يتم التحضير له بالتعاون مع المواطنين اللبنانيين الذين أدركوا أن التظاهرات لم تعد تلبي مطالبهم بتحسين الأوضاع الاقتصادية والإصلاح، وتحولت إلى توجيه السهام نحو أطراف لبنانية محددة لاسيما المقاومة الاسلامية. كما ساد القلق من أن يتحول لبنان إلى ساحة للصراعات، على غرار ما حدث في بعض الدول العربية، التي شهدت تظاهرات تحولت إلى مواجهات دامية، وتدخلت مختلف الدول فيها ما أسفر في النهاية عن تفكيك هذه الدول وتهجير أهلها .
نجحت الثورة الملونة في بنغلادش بسبب قمع الشيخة حسينة للمعارضة التي غذتها واشنطن. وكانت نسبة كبيرة من المواطنين البنغال ضد سياسة الشيخة حسينة، بينما فشلت في لبنان بسبب وعي بعض الأطراف اللبنانية، وفئة كبيرة من اللبنانيين المؤيدة لها، ما ساهم بإسقاط مشروع الثورة الملونة في لبنان.



