ثقافية

بابل تغادر أسوار الأسطورة التوراتية وتنهض على أرض التاريخ

oipio

رسمية محيبس

يتناول كتاب “تخيّل بابل: مدينة الشرق القديمة وحصيلة مئتي عام من الأبحاث” للكاتب الإيطالي ماريو ليفراني، الفائز بجائزة الشيخ زايد في دورة عام 2014، بالتحليل والنقد مجمل الأبحاث والنظريات وأعمال التنقيب المتعلقة بمدينة بابل. فهو عملٌ قلّ نظيره، إذ لم يسبق أن ظهر كتاب عن بابل بهذا العمق المعرفي والمنهجية العلمية وتناوَلَ تاريخ المدينة بهذا الشمول.
ويأتي الكتاب، الصادر عن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ونقله للعربية الباحث التونسي عزالدين عناية، ضمن مشروع شامل اشتغل عليه ماريو ليفراني، تناول إعادة قراءة التاريخ القديم للمشرق العربي. نحا فيه باللائمة على المؤرخين المهتمين بتاريخ المنطقة، كيف أن المنطقة التي صنعت التوراة باتت ضحية رؤى التوراة؟ ولن يتيسر ذلك التصحيح لتاريخ المنطقة، وفق ليفراني، سوى باكتشاف التاريخ السابق للتوراة، وبابل حسب رأيه إحدى أعمدته القوية. من هذا الباب توجّب عليه تخصيص مؤلَّف لهذه المدينة التي تتوارى خلفها حضارة محورية في بلاد المشرق.من جهة أخرى يتمحور هذا المصنّف حول نواة صلبة، ألا وهي منطقة وادي الرافدين أثناء المدة الممتدة بين (3500 ـ 500 ق. م.). وكما يذكر مؤلّف الكتاب فقد قضّى السنوات الطوال من عمره منكبّا على تاريخ الشرق، أنجز خلالها عشرات الدراسات، وكتب مصنّفات بأكملها حول نقاط محددة بعينها، إلى أن قرّر في النهاية الاشتغال على بابل. وعلى الرغم من أنه جرى تناول حضارة بابل من جوانب عدة في الكثير من اللغات، فإن مجمل الكتابات خالطها الأسطوري والوهمي، إلى درجة أن باتت المدينة خيالية في أذهان الناس. مع ليفِراني تغادر المدينة ذلك الموضع، لتكتسي حلّةً واقعية، تتأسس على حوادث وبقايا وأرقام ونُظُم ومعالم.
وحديث البدايات عن بابل مع ليفِراني يستدعي بالضرورة حديثا عن أنظمة الحكم التي شهدتها المدينة. فليس “الطغيان الشرقي” وليد بابل فحسب، كما يروج عادة، بل صنوه “الديمقراطية البدائية” أيضا كما بيّن ثوركيلد جاكوبسون (1943) المختص بالسومريات؛ إذ يُعيد ليفراني النظر في تلك الأطروحة متحدثًا عن ديمقراطية نسبية، ليست ديمقراطية صلبة، قائمة على مؤسسات، “لأن وظائف الحكم لم تتفرّع بعدُ، وبنية السلطة ليست جلية، وآلية التنسيق الاجتماعي لا تزال في طور التشكل”.
يشار إلى أن ماريو ليفراني هو مؤرخ إيطالي وهو من كبار المؤرخين العالميين المختصين في تاريخ الشرق. كما أنه عضو في العديد من المجامع العلمية. سبق أن أصدر جملة من المؤلفات العلمية نذكر منها: “أصل المدينة”، و”العلاقات الدولية في الشرق القديم 1600 ـ 1100 ق. م.”، و”ما وراء التوراة: تاريخ إسرائيل القديم”، و”الأسطورة والسياسة في بلاد المشرق”، و”أوروك: أولى المدن على وجه البسيطة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى