جواهر عَلَويَّةٌ..!

السيد بلال وهبي
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “كُنْ مُؤاخِذاً نَفْسَكَ، مُغالِباً سُوءَ طَبْعِكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَحْمِلَ ذُنُوبَكَ عَلى رَبِّكَ”
مؤاخذة النفس محاسبتها، والتدقيق فيها، وجعلها تحت رقابة دائمة من العقل، لأنها جَموح تميل إلى التفَلُّت، وتنحو ناحية الشَّر، وقد أتقن الإمام زين العابدين (ع) الكشف عن حقيقتها إذ قال: “إلهِي إليْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً، وَإلَى الْخَطيئَةِ مُبادِرَةً، وَبِمَعاصِيكَ مُولَعَةً، وَلِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً، تسْلُكُ بِي مَسالِكَ الْمَهالِكِ، وَتَجْعَلُنِي عِنْدَكَ أَهْوَنَ هالِك، كَثِيرَةَ الْعِلَلِ طَوِيلَةَ الأمَلِ، إنْ مَسَّهَا الشَّرُّ تَجْزَعُ، وَإنْ مَسَّهَا الْخَيْرُ تَمْنَعُ، مَيَّالَةً إلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، مَمْلُوَّةً بِالْغَفْلَةِ وَالسَّهُوِ، تُسْرِعُ بِي إلَى الْحَوْبَةِ، وَتُسَوِّفُنِي بِالتَّوْبَةِ”
فالنفس غريبة الأطوار، متقلبة الأحوال، كثيرة العِلل تخترع لنفسها الذرائع والأسباب كي تستجيب لأهوائها وغرائزها، وكي تمنع المؤاخذة واللوم لها، وسبب ذلك أنها طويلة الأمل، حريصة على الحياة الدنيا، تجزع من أدنى خسارة تصيبها، أو وعكة صحية عابرة تلُمُّ بها، إنها تجزع حين يمسُّها الشر، وتمنع حين يمسّها الخير، تميل إلى اللعب حين يكون صاحبها طفلاً، وتميل إلى اللهو حين يكون صاحبها كبيراً، فينشغل بالأمور الثانوية عن الأمور المهمة، وهي مبتلاة بمرض الغفلة عما يجب والسَّهو عمّا ينبغي وعما هو ضروري لها.
إن نفساً هذه صفاتها لا يجوز للمَرء أن يغفل عنها بحالٍ من الأحوال، بل يجب أن يبقيها صاحبها تحت رقابة مشددة، وأن يحاسبها على ما يفرُط منها، هذه هي الوصية الأولى التي يوصينا بها الإمام أمير المؤمنين (ع).
ويوصينا ثانياً: أن نغالِبَ طِباعنا السَّيِّئة، لا أن نستسلم لها، لا أن نقول: هذا طبعي ولا يمكنني تغييره، لا أن نردِّد مقولة: إن الطَّبع يغلِبُ التَّطبُّع، هذا خطأ فادح، فلو كان من غير المُمكن أن يغيِّر الإنسان طِباعه السَّيِّئة لما أمرنا الله تعالى بتزكية نفوسنا وتربيتها وتهذيبها، فإن يكون من التكليف بالمَعسور والله تعالى لا يكلِّف بالمَعسور، فضلاً عن ذلك فإن التجربة الإنسانية تشهد لإمكان أن يغيِّر الشخص طباعه إذا ما توفَّرت له بيئة حاضنة، أو تعليم راقٍ، أو صديق صدوق، أو تعرَّض لأزمة نبَّهته إلى أخطائه، أو رأى النتائج السلبية التي ترتَّبَت على طباعه السَّيِّئة.
نعم إن الشخص قادر على تغيير طباعه، وليس ذلك بعسير عليه إذا امتلك الإرادة الجادة والعزم الأكيد على ذلك، ففي مقدوره أن يُغالِبَ طِباعَه وأن ينتصر عليها، لكنه ليس سهلاً على من استسلم لطباعه أو رَضِيَ بها.
ويوصينا (ع) ثالثاً: أَلّا نحمِلَ ذنوبنا على الله، أي لا نُلقي بالمسؤولية عنها على الله تعالى، ألا نقول: لو شاء الله تعالى ما عصيتُ وما أذنبتُ وما أخطأت، فهذا أيضاً خطأ فادح، وهو نحو من القول بالجبر، أي أن يعتقد الإنسان أنه مجبور على ما يصدر منه من أعمال ومواقف، وما يقع فيه من ذنوب ومعاصي، إن الله تعالى خلق الإنسان حُراً، وهداه إلى نجدَي الخير والشَّرِّ، ووهبة الإرادة أن يفعل ما يشاء وأن ينتهي عَمّا يشاء، وأن يتحمَّل هو المسؤولية عَمَّا يختار لنفسه.



