اخر الأخبارثقافية

 “البصّاصون” اجتماع شخصيات تأريخية في رواية من الواقع العراقي

 المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يُعد الروائي عباس خلف علي واحدا من الروائيين الذي يعتمدون على المزاوجة بين التأريخي والسردي في رواياته ومنها رواية “البصاصون ” فهو  يدخل القارئ الى  عمّق الرواية ويشرح له الشخصيّة عبر مديات اختراق  المجهول من التأريخ ومن خلاله يسعى الى تقديم صورة عن الغموض والموت والانتحار حتى يصل به الى درجة قريبة من نفسية المتلقي .

 وقال علي في تصريح خص به ” المراقب العراقي”:ان: رواية “البصاصون ” ولكونها تحمل صبغة تاريخية فقد حاولتُ ان اجعلها تتسّم بالتنوّع وتعدّد مستويات السرد من خلال تنوع الشخصيّات والحدث والزمان والمكان وتوظيف الوقائع التاريخية داخل جسد الرواية التي أردتها ان تكون متعدّدة الدلالات فضلا عن الأبعاد النفسية لكل شخصية “.

واضاف: ان” رواية “البصاصون” ذات إيقاع متسم بالتصاعد والتوثب وحدّة الانتقالات والتحوّلات داخل البنية السردية المعتمدة على شخصيات تأريخية والتي كانت منذ ازمان مختلفة تم اختيارها بحسب الصفات العامة لابطال الرواية التي تتكرر في كل الحقب والأزمنة التاريخية “.

واشار الى ان” الرواية ذات صيغة يمكن من خلالها القارئ ان يشعر ان هناك شخصيات فيها تناقضات ولكن فيها اشتغالات وتقنيات وتوّجهات وصياغات استثنائية وعميقة ودالّة سواء على مستوى استثمار الواقع والتاريخ والمحتوى الإنساني الذي سعيتُ الى ان يكون اطارا لكل ماموجود في التاريخ كمتشابه في الصنعة واختلاف في التفاصيل عند اجتماع شخصيات تأريخية في رواية من الواقع العراقي “.

من جهته قال الناقد إبراهيم سبتي: ترسم رواية « البصّاصون « الروائي عباس خلف علي، الصادرة عن مؤسسة الأمة للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة مؤخرا. وهي الرواية السادسة في سجل منجزه الروائي، عالماً مغايرا للوقائع المُعاشة، باعتبار أنها تخوض في مساحة إشكالية تمتد منذ القدم وتتوغل في عمق التراث، وفي كل الأزمان، وفي كل الأنظمة السياسية، التي حرص المؤلف على التركيز فيها على التاريخ بإشكالاته وتدويناته المختلفة، وبين التراث ليبدأ أحداثه وحيثياته من هناك، ومن ثم ربطها بالحاضر وفق معايير ذات الصفات التي تتكرر في كل الحقب والأزمنة التاريخية، وهي أسلوب البصّ، أو المخبر السري، الذي كان الثيمة الأساسية في الرواية، وأخذ حيزا واسعا فيها.

اعتمد الروائي عباس خلف علي، على ترتيب روايته باستخدام أسلوب الأسفار التي حلّت محل الفصول، ولكل سفر هويته وعنوانه الخاص به. وحرص الروائي على الحفر في التاريخ السياسي والفكري والأدبي لشخصياته الرئيسة الثلاث، المستلة من التراث والمعاصرة على حد سواء، وهي ابن إياس وحسن الوزان وإسفور (وهو بطل رواية «نزيف الحجر» لإبراهيم الكوني). وهم الذين سيبنون عوالم الأحداث برفقة السرد الواعي، الذي أمعن الكاتب في ذكر أسماء الأماكن والكتّاب والروايات والمفكرين والسياسيين. فهي تستفز مخيلة القارئ لأنه سيكون في مواجهة هذا الكم النوعي من المعلومات التي بالتأكيد هي دلالة الوعي النوعي، ففي كل صفحة تقريباً سنجد أسماء الكتب والروائيين، وهي تسير مع عدد الصفحات التي تكتنز بتلك الإضافات المعرفية.

 (البصّاصون) الذين استحضرهم الروائي عباس خلف علي عن طريق ابن إياس الذي ظل يشتغل على ظاهرة التلصص والبصّ في دولة المماليك وبداية نشوء الدولة العثمانية. ويأخذنا السرد بين طياته إلى رواية إبراهيم الكوني «نزيف الحجر» ويستل منها الشخصية المحورية (أسوف) ومدى طيبته، ومن ثم كيف يُقتل من قبل قابيل وينزف دمه على الحجر، وفيها ملمح تاريخي هي الأخرى عن استلهام الحوادث والأفعال من بطون التاريخ وربطها بالواقع. وفي مقارنة بين أسوف الابن وأسوف بطل رواية الكوني يقول الراوي (لو جمعتني الصدف بإبراهيم الكوني سوف اقول له، إن «أسوفك»… يختلف عن «أسوفي» الذي نذر نفسه لأن يكون نزيفا دائما، ليس مع الحجر وإنما معي، لقد شقيت من أهوائه المتعددة). أما حسن الوزان، فهو الجغرافي التونسي الشهير بليون الافريقي، المؤلف لكتاب «وصف افريقيا في عصر النهضة». لقد استحضر الكاتب هؤلاء الثلاثة من بطون التاريخ والكتب واسقطهم على أبنائه (الراوي) الذين سماهم بتلك الأسماء نفسها.

إن الراوي الذي يصنع السرد بأحداثه وتفاصيله وانزياحاته، هو شخص لديه الاستعداد التام للقيام بمهمة البصّاص، بل إنه يذهب أبعد من ذلك، حين يقول لرجل القصر (افتح الشيفرات). لكن سيده لا يقتنع بهذا الإجراء المحدود، بل يدعوه إلى فكّ شيفرات حتى من كانوا فوق الشبهات.

تستعرض لنا الرواية، باقات من الأسماء المهمة المؤثرة في واقعنا الأدبي والثقافي المحلي والعربي، وحتى ذهبت إلى إيراد بعض اسماء الأدباء الغربيين. فنكون أمام إعادة استذكار لتلك الأسماء وهي مهمة تنشيط للذاكرة، عبر مقاطع السرد الذي لم تأتِ غريبة أو محشورة فيه، إنما كانت مكمّلة للأحداث ومعززة للفكرة الأساسية التي اشتغل عليها الموضوع، وهي مهمة البصّاص في المراحل الزمنية المختلفة، وقد عبّرت تلك التضمينات عن الأبعاد الأساسية لعمق المساحات التي اشتغل عليها النص الروائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى