اخر الأخباراوراق المراقب

علم الإمام الرضا عليه السلام

العلم هو العطاء الرباني الذي يزيِّن كل عطاء في هذا الوجود، فما أجل وأجمل وأعظم وأكمل العلم إذا وهبه الله العالم لمستحقيه، لا سيما أولئك الذين اختارهم واصطفاهم على علم منه وجعلهم عيبة علمه وتراجمة وحيه وأمناءه على دينه من الأنبياء العظام والأولياء الكرام، الذين علمهم علماً لدنِّياً كما قال ربنا في قوله تعالى عن ذاك العبد الصالح الخضر: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً).

فإذا كان الخضر الأخضر الله علَّمه من لدنه علماً فكيف مَنْ جمع لهم كل العلوم واحتج بهم وقال في حقهم: (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) وكان ذلك أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) باب مدينة العلم والفقه والحكمة الإلهية والرسولية كما في الأحاديث الكثيرة، حيث أن الله سبحانه أعطاه علم الكتاب الذي احتوى كل العلوم حيث قال: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ).

فهذا هو العلم حقاً الذي جعله وجمعه ربنا سبحانه وتعالى في أئمة المسلمين من آل طه وياسين، والإمام علي بن موسى الرضا (ع) هو الإمام الثامن من أئمة المسلمين وكان يلقب بـ(عالم آل محمد) فما أعظمه من لقب لأنهم جميعاً علماء وفقهاء وحكماء ولكن لماذا اختص الإمام الرِّضا (ع) بهذا اللقب الشريف؟

علم الإمام الرِّضا (ع) لدنِّي
إذا علمنا مما تقدَّم بأن علم الإمام هو عطاء من الله تعالى، فهو غير اكتسابي كغيره من البشر، بل الله اختارهم واصطفاهم وعلَّمهم العلم اللازم والضروري لتربية الإنسان وهدايته، ثم لضمان استقامته وبناء أسرته ومجتمعه ثم أمته وحضارته، وكل ذلك موجود في كتاب الله المسطور الصامت (القرآن الحكيم)، وتفسيره وتأويله في كتاب الله المخلوق الناطق (الإمام الكريم)، وبذلك تكتمل دائرة العلم البشري في الإمام الذي وصفه الإمام الرِّضا (ع) في حديثه لعبد العزيز بقوله: الإمام (اَلْمَخْصُوصُ بِالْعِلْمِ)، و(اَلْإِمَامُ عَالِمٌ لاَ يَجْهَلُ)، وهو (شَرَفُ اَلْأَشْرَافِ وَاَلْفَرْعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ نَامِي اَلْعِلْمِ كَامِلُ اَلْحِلْمِ)، و(إِنَّ اَلْعَبْدَ إِذَا اِخْتَارَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ اَلْحِكْمَةِ، وَأَلْهَمَهُ اَلْعِلْمَ إِلْهَاماً، فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ وَلاَ يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ اَلصَّوَابِ فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ قَدْ أَمِنَ مِنَ اَلْخَطَايَا وَاَلزَّلَلِ وَاَلْعِثَارِ يَخُصُّهُ اَللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَشَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ).

وقال الإمام موسى بن جعفر (ع) ليزيد بن سليط الزيدي: (إِنِّي أُوخَذُ فِي هَذِهِ اَلسَّنَةِ وَاَلْأَمْرُ هُوَ إِلَى اِبْنِي عَلِيٍّ سَمِيِّ عَلِيٍّ وَعَلِيٍّ فَأَمَّا عَلِيٌّ اَلْأَوَّلُ فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا اَلْآخِرُ فَعَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) أُعْطِيَ فَهْمَ اَلْأَوَّلِ، وَحِلْمَهُ، وَنَصْرَهُ، وَوُدَّهُ، وَدِينَهُ، وَمِحْنَتَهُ، وَمِحْنَةَ اَلْآخِرِ وَصَبْرَهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ).

فهذا الوصف والمقارنة العجيبة بين أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) الذي عنده علم الكتاب كله، وفهمه وحكمه، وكذلك الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، وربما ما يكمل لنا الصورة ويُجليها أكثر الرواية التالية، قال أبو الحسن الإمام الكاظم (ع): (ثُمَّ وَصَفَهُ لِي رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقَالَ: عَلِيٌّ اِبْنُكَ اَلَّذِي يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ، وَيَسْمَعُ بِتَفْهِيمِهِ، وَيَنْطِقُ بِحِكْمَتِهِ، يُصِيبُ وَلاَ يُخْطِئُ، وَيَعْلَمُ وَلاَ يَجْهَلُ، وَقَدْ مُلِئَ حُكْماً وَعِلْماً).

وقَالَ أَبُو اَلصَّلْتِ: ولَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: (هَذَا أَخُوكُمْ عليّ بن موسى عالم آل محمد، فاسألوه عَنْ أَدْيَانِكُمْ واِحْفَظُوا مَا يَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُولُ لِي: إِنَّ عَالِمَ آلِ مُحَمَّدٍ لفي صُلْبِكَ، ولَيْتَنِي أَدْرَكْتُهُ فَإِنَّهُ سَمِيُّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ).

وفي إعلام الورى عن أبي الصلت الهروي قال: (مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَلاَ رَآهُ عَالِمٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ بِمِثْلِ شَهَادَتِي وَلَقَدْ جَمَعَ اَلْمَأْمُونُ فِي مَجَالِسَ لَهُ عَدَداً مِنْ عُلَمَاءِ اَلْأَدْيَانِ وَفُقَهَاءِ اَلشَّرِيعَةِ وَاَلْمُتَكَلِّمِينَ فَغَلَبَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ أَقَرَّ لَهُ بِالْفَضْلِ وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُور.. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَقُولُ: كُنْتُ أَجْلِسُ فِي اَلرَّوْضَةِ وَاَلْعُلَمَاءُ بِالْمَدِينَةِ مُتَوَافِرُونَ فَإِذَا عَيِيَ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَشَارُوا إِلَيَّ بِأَجْمَعِهِمْ وَبَعَثُوا إِلَيَّ اَلْمَسَائِلَ فَأُجِيبُ عَنْهَا).

وقال ابن شهر آشوب: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى اَلْيَقْطِينِيُّ: لَمَّا اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) جَمَعْتُ مِنْ مَسَائِلِهِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ).

وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ اَلْقُمِّيُّ فِي عُيُونِ أَخْبَارِ اَلرِّضَا (ع): أَنَّ اَلْمَأْمُونَ جَمَعَ عُلَمَاءَ سَائِرِ اَلْمِلَلِ مِثْلَ اَلْجَاثَلِيقِ، وَرَأْسِ اَلْجَالُوتِ، وَرُؤَسَاءِ اَلصَّابِئِينَ، مِنْهُمْ عِمْرَانُ اَلصَّابِي، وَاَلْهِرْبِذُ اَلْأَكْبَرُ، وَأَصْحَابُ زَرَادِشْتَ، وَنِسْطَاسُ اَلرُّومِيُّ، وَاَلْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ اَلْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ أَحْضَرَ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَسَأَلُوهُ فَقَطَعَ اَلرِّضَا وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى