مراتب العباد

لا شكّ أنّ للعبّاد درجات، كما أنّ للجنّة درجات، يقول تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأوْفَى﴾، فلكلّ إنسان سعيه في الدنيا، وبمقدار هذا السعي يكون الجزاء والعطاء الإلهيّ، على أنّ هناك من العبَاد من يرغب في ثواب الله وجنّته، ومنهم من يخاف ناره وعذابه، ومنهم من يعبده حبّاً وشكراً له سبحانه على نعمه وإفضاله. ولا شكّ أنّ مثل هذه العبادة هي أعظم عبادة.
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “بكى شعيب عليه السلام من حبّ الله عزّ وجلّ حتّى عمي، فردّ الله عزّ وجلّ عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله عليه بصره، فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه: يا شعيب إلى متى يكون هذا أبداً منك؟ إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أُجِرت، وإن يكن شوقاً إلى الجنّة فقد أبحتك; فقال: إلهي وسيّدي أنت تعلم أنّي ما بكيت خوفاً من نارك، ولا شوقاً إلى جنّتك، ولكن عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأُخدمك كليمي موسى بن عمران.
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار.
وقد ورد عنه عليه السلام أيضاً: “إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.
فإذا أردنا أن نعبد الله فلتكن عبادتنا عبادة حبّ وشكر لا عبادة رغبة وخوف، عبادة تعلّق وهيام وعشق ننسى فيها أيّ عشق آخر، بل لا مكان في قلوبنا حقيقةً لغير الله تعالى، فإذا أحببنا أمراً أو شيئاً معيّناً أو أحداً ما، كان ذلك عبر حبّ الله ورضا الله وفي حبّ الله ورضاه.
وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً وقد أنهك نفسه بالعبادة: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “أفلا أكون عبداً شكورا”.



