اخر الأخباراوراق المراقب

الأدلة النقلية والشروط العقلية لولاية الفقيه

ضمن الحديث عن الدليل العقلي والأدلة الملفقة من العقل والنقل علمنا أن المجتمع الإنساني يحتاج إلى القانون والنظام، ولأجل مراعاة النظام فإنه يحتاج أيضاً إلى العنصر الفاعلي وهو الحاكم والوالي، وقد اتضح أن الغالب على حكومات العصر توجه النظام واهتمامه بالأعمال المادية للناس وذلك بسبب حصر الحياة الإنسانية بالحدود الدنيوية، ومن جانب آخر فإن المسائل العقائدية والأخلاقية والصفات الروحية للإنسان لا تقع مورداً للاهتمام منها. ولهذا فإن الحاكم في مثل هذه الأنظمة لا يتحمل مسؤولية ترتبط بأخلاق الناس وعقائدهم.
أما بالنسبة للعقيدة الإسلامية، فإن الحياة الإنسانية لا تنحصر الحدود الدنيوية وإنما ترتبط مباشرة بالحياة الأبدية. ولهذا، فإن قوانين الإسلام تهتم بتهذيب النفوس وحفظ الإيمان وهداية العقول قبل إدارة الأمور العادية.
والتوحيد هو الأصل الأصيل الذي يهتم به الإسلام. ولهذا يقال أن هذه الجملة التي تقال بعد الصلاة: “لا إله إلا الله وحده وحده وحده، تأثر في دفع المنكر والسوء. بمعنى أننا نشاهد في مقام التوحيد جميع الذوات فانية في الذات الإلهية، وجميع الصفات فانية في وصف الحق تعالى، وكل الأفعال فانية في فعله تعالى. لأن تكرار كلمة التوحيد ليس لأجل التأكيد وإنما لتفهيم هذه الأصول الثلاثة للتوحيد: التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي. ولأن الإسلام يهتم بكافة الأبعاد الوجودية للإنسان، ويضع الأحكام والبرامج لجميع المجالات السلوكية والعقائدية، فإن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يدير هذه القوانين ليس فقط من يكون أميناً على الأموال، وإنما الأمين في الدرجة الأولى على الأخلاق والعقائد الإسلامية. وهذا الشخص إضافة إلى معرفته بها ينبغي أن يكون مؤمناً وملتزماً بها أيضاً.
ويعلق المحقق الداماد في حاشية حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما العلم ثلاثة، آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة” بأن معرفة الأصول والفروع بالفقه الأكبر والفقه الأصغر، ويقول بأن قسماً من هذا الحديث الشريف الذي يقسم العلم ناظر إلى أصول العقائد التي هي الفقه الأكبر، والقسم الآخر الذي يشمل الفريضة العاملة والسنة القائمة ناظر إلى الفقه الأصفر وعلم الأخلاق.
وعلى أساس هذا التعبير، لو كان الحاكم الإسلامي لا يمتلك علماً بالفقه الأكبر فإنه لن يكون قادراً أبداً على صيانة الثغور الفكرية للأمة الإسلامية، وكذلك إذا لم يكن عالماً بمسائل الفقه الأصغر فإنه لن يكون أميناً على الحدود والقوانين الإلهية أو قادراً على الوقوف أمام التحريف فيها.
ونعلم مما مضى أن كثيراً من الشروط التي ذكرت في الأدلة النقلية للولي الفقيه ليست إلا إرشاداً لهذه الشروط الواضحة التي يحكم بها العقل البشري. وهذه نقطة ينبغي الالتفات إليها حين الاستدلالات النقلية على ولاية الفقيه.
وكمثال على ذلك، الآية الكريمة التي تنفي تسلط الكافرين على المؤمنين: ﴿ … وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾. فهي في الواقع، تهدي إلى هذا الأصل العقلي الجلي من أن غير المسلمين لا يمكن أن يكونوا حكاماً على المسلمين أو حفظة لحرمة القوانين الإسلامية.
أو ما رواه القرآن عن موسى عليه السلام في خطابه لفرعون: ﴿ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾. فهو يحكي عن هذا الأمر البين في أن الحاكم الإسلامي هو الأمين على أجساد وأرواح عباد الله سبحانه.
وكذلك الآية الشريفة التي تنفي إمامة الظالمين: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾.
وبالطبع فإن هناك استفادات أخرى من هذه الآية. من جملتها أن الإمامة هي عده الله وحقه وليست حق الناس وعهدهم. وإنها لا تكون بالانتخاب والرأي، بل بالتعيين الإلهي. وإنها مسلوبة من أصحاب السوابق السيئة (الظلم).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى