مقامات النبي وأهل البيت “عليهم السلام”

إن بعض الناس ينكر مقامات الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، حيث يستدل على ذلك بقوله تعالى: {قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ}، فيتصوّر أن الرسول (صلى الله عليه وآله) بشر مثلنا في كل شيء، بينما تريد الآية أن تشير إلى جهة معينة، وهي أن الرسول (صلى الله عليه وآله) مثلنا من جهة تركيبته الجسدية، قال تعالى: {وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ}، وقال في آية أخرى حول عيسى ومريم: {مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ}، فتركيبتهم الجسدية هي كسائر الناس؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى يريد لهؤلاء أن يكونوا أسوة للناس وقدوة، والأسوة والقدوة يلزم أن تكون تركيبته مثلهم، يأكل وينام ويتزوج ويولد ويصاب بالهرم والمرض، حتى يمكن أن نقتدي به، وإلّا إذا كان ملكاً من الملائكة فلا يمكن الاقتداء به؛ لأن الملك قد يسجد سجدة واحدة تطول عدة سنين. لذا جاء في آية أخرى: {وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ}، فلو أن اللّه سبحانه وتعالى قدّر أن يرسل من الملائكة نبياً إلى الناس لأرسله بصورة إنسان، لكي يمكن الاقتداء به وهذا لا يعني التماثل في الفضائل، بل الأنبياء والأئمة اصطفاهم اللّه تعالى وعصمهم وحلّاهم بالكمالات وبرّاهم عن النقائص.
والذين يريدون التنقيص من شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) إنّما ذاك لجهلهم أو لحقدهم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وقد بدأ هذا الأمر من زمن بني أمية وأتباعهم، حيث حاولوا إنزال النبي (صلى الله عليه وآله) عن مقاماته العالية، وذلك لحقدهم عليه؛ لأنهم حاربوه عشرين عاماً فانهزموا يوم فتح مكة؛ لذا أظهروا إسلامهم نفاقاً وحفظاً على أرواحهم: {وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ}، وقال تعالى في وصف المنافقين: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ * يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواۡ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ}، فهؤلاء كانوا يحقدون على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، إلّا أنهم لم يتمكنوا أن يظهروا حقدهم عليه (صلى الله عليه وآله) بشكل مباشر، فأظهروه في وضع روايات كاذبة تهدف إلى التنقيص من قدره، وكذلك أظهروا حقدهم على الرسول (صلى الله عليه وآله) في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكل من كان يريد سبّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يسبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: “من سبّ علياً فقد سبني، ومن سبني فقد سبّ اللّه عزّ وجلّ”.
وأحياناً كان التنقيص من مقامات النبي (صلى الله عليه وآله) لأن بعض الحكام كانت لهم تصرّفات سيئة، فكانوا يريدون تبرير تصرفاتهم فكانوا يعطون أموالاً لبعض الكذابين والوضاعين فيضعون أحاديث مكذوبة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وقد روي: «أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ}، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ}، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك.
قال ابن أبي الحديد: «وقد صحّ أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي (عليه السلام)، وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلق بفضله، بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب. وروى عطاء، عن عبد اللّه بن شداد بن الهاد، قال: وددت أن أترك فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوماً إلى الليل، وأن عنقي هذه ضربت بالسيف.
وقد ألّف النسائي كتاباً في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام): «فإنه بعد أن ترك مصر في أواخر عمره قصد دمشق ونزلها، فوجد الكثير من أهلها منحرفين عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخذ على نفسه وضع كتاب يضم مناقبه وفضائله (عليه السلام) رجاء أن يهتدي به من يطالعه أو يلقى إليه سمعه، فأتى به وألقاه على مسامعهم بصورة محاضرات متواصلة.
وبعد أن فرغ منه سُئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: “أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟”. وفي رواية أخرى: “ما أعرف له فضيلة إلا: لا أشبع اللّه بطنك، فهجموا عليه ومازالوا يدفعون… وداسوه حتى أخرجوه من المسجد”، فقال: “احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفي بها”.



