التهيؤ لاستقبال شهر رمضان

الشيخ عبد الله اليوسف..
من المناسبات الدينية المهمة التي يجب أن يستعد لها الإنسان قبل وقتها، ويتهيأ نفسياً وروحياً وعقلياً لها هي: استقبال شهر رمضان المبارك، لأن هذا الشهر الكريم هو شهر عظيم، وهو شهر مبارك، وهو سيد الشهور، وهو فرصة ثمينة يجب الحرص على استثمارها على أحسن وجه وبأفضل صورة. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «لَو يَعلَمُ العَبدُ ما في رَمَضانَ لَوَدَّ أن يكونَ رَمَضانُ السَّنَةَ».
والإنسان الجاد في حياته هو من يتهيأ ويستعد ويخطط لاستقبال كل أمر هام في حياته، أو منعطف أساس في مسيرة أيامه، بخلاف الإنسان غير المبالي، والمسترسل في أموره دون تخطيط أو استعداد أو تهيؤ، وينطبق ذلك على مختلف شؤون الحياة، فالأول يوفق وينجح في أعماله، بينما الثاني يفشل ولا يحقق أي تقدم في حياته.
وروى الإمامُ الباقرُ عليه السلام قال: «خَطَبَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله الناسَ في آخِرِ جُمُعَةٍ مِن شَعبانَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى علَيهِ ثُمّ قالَ: أيُّها الناسُ، إنّهُ قد أظَلَّكُم شَهرٌ فيهِ ليلةٌ خَيرٌ مِن ألفِ شَهرٍ وهُو شَهرُ رَمَضانَ، فَرَضَ اللَّهُ صِيامَهُ وجَعَلَ قِيامَ ليلةٍ فيهِ بتَطَوُّعِ صلاةٍ كَمَن تَطَوَّعَ بصلاةِ سَبعينَ ليلةً فيما سِواهُ مِن الشُّهورِ».
وعنه عليه السلام أيضاً قال: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لَمّا حَضَرَ شَهرُ رَمَضانَ وذلكَ لثَلاثٍ بَقِينَ مِن شَعبانَ، قالَ لبِلالٍ: نادِ في الناسِ، فَجَمعَ الناسُ ثُمّ صَعِدَ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى علَيهِ، ثُمّ قالَ: «أيُّها الناسَ، إنَّ هذا الشَّهرَ قد حَضَرَكُم وهُو سَيِّدُ الشُّهُورِ، فيهِ ليلةٌ خَيرٌ مِن ألفِ شَهرٍ، تُغلَقُ فيهِ أبوابُ النِّيرانِ، وتُفتَحُ فيهِ أبوابُ الجِنانِ، فَمَن أدرَكَهُ فلَم يُغفَرْ لهُ فَأبعَدَهُ اللَّهُ».
خطوات التهيؤ لشهر رمضان
يمكن الإشارة إلى عدة نقاط على الصعيد الفردي من أجل التهيؤ لاستقبال دخول شهر رمضان الكريم، وأبرزها ما يلي:
1-محاسبة الذات: من الخطوات المهمة في التهيؤ والاستعداد لاستقبال شهر رمضان محاسبة الذات، وعمل كشف لأعمال المرء طوال العام المنصرم، والبناء على الأمور الإيجابية، والعمل على التخلص من الأمور السلبية.
فقد روي عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال: «حاسِبوا أنْفُسَكُم قَبلَ أنْ تُحاسَبوا، وزِنوها قَبلَ أنْ تُوزَنوا، وتَجَهَّزوا للعَرْضِ الأكْبَرِ»، وقال صلى الله عليه وآله – لأبي ذرّ الغفاريّ-: «يا أبا ذرٍّ، حاسِبْ نَفْسَكَ قَبلَ أنْ تُحاسَبَ، فإنَّهُ أهْوَنُ لِحِسابِكَ غَداً، وزِنْ نَفْسَكَ قَبلَ أنْ تُوزَنَ، وتَجَهَّزْ للعَرْضِ الأكْبَرِ يَومَ تُعْرَضُ لا يَخْفى على اللَّهِ خافِيَةٌ».
وقال الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «ما أحَقَّ الإنْسانَ أنْ تَكونَ لَهُ ساعةٌ لا يَشْغَلُهُ شاغِلٌ، يُحاسِبُ فيها نَفْسَهُ، فيَنْظُرُ فيما اكْتَسَبَ لَها وعلَيها في لَيلِها ونَهارِها!» وقال الإمامُ الكاظمُ عليه السلام: « لَيس مِنّا مَن لَم يُحاسِبْ نَفْسَهُ في كُلِّ يَومٍ، فإنْ عَمِلَ خَيراً اسْتَزادَ اللَّهَ مِنهُ وحَمِدَ اللَّهَ علَيهِ، وإنْ عَمِلَ شَيئاً شَرّاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وتابَ إلَيهِ».
2- ترويض النفس: إن ترويض النفس وتدريبها على فعل الطاعات، وترك المحرمات من النقاط المهمة للتهيؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك، ومن صفات شهر رمضان ومميزاته أنه يحرق الذنوب، فقد قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «إنّما سُمِّيَ الرَّمَضانُ لأنّهُ يَرمَضُ الذُّنوبَ».
وأشارت النصوص الدينية أيضاً إلى استحباب الصيام في شهري رجب وشعبان، أو صيام بعض منهما للتهيؤ لاستقبال شهر رمضان، فلا يدخل رمضان إلا وقد عوّد نفسه على الصوم فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: «من صام ثلاثة أيام من آخر شعبان ووصلها بشهر رمضان كتب الله له صوم شهرين متتابعين».
3-التوبة النصوح: كل إنسان معرض للخطأ، وارتكاب بعض المعاصي والذنوب، ولكن من رحمة الله تعالى بعباده أن فتح لهم باب التوبة، ليعودوا إلى الله عز وجل، كما في قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾.
ومن الخطوات المهمة للتهيؤ والاستعداد لاستقبال شهر رمضان هي التوبة النصوح من كل الذنوب والمعاصي ليقبل الإنسان على شهر الله تعالى وهو مخلص النية، وصافي القلب، فقد روي عن الإمام الرضا قوله: «وتبْ إلى الله مِن ذنوبِكَ ليقبل شَهر رَمَضان إليكَ وأنتَ مخلص لله عزَّ وجلَّ».
4- تصفية القلب: من النقاط المهمة لاستقبال شهر رمضان أيضاً تصفية القلب من الضغائن والأحقاد ضد إخوانك المؤمنين، ونزع كل حقد وضغينة وحسد من قلبك، ويقول الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «طَهِّرُوا قُلوبَكُم مِن الحِقدِ؛ فإنّهُ داءٌ مُوبئٌ»18، وعنه عليه السلام قال: «قُلوبُ العِبادِ الطاهِرَةُ مَواضِعُ نَظَرِ اللَّهِ سبحانَهُ، فَمَن طَهَّرَ قَلبَهُ نَظَرَ إلَيهِ»، وروي عن الإمام الرضا أنه قال: «ولا في قلبكَ حقداً على مؤمِن إلاّ نزعته».
5-تطهير المال:من خطوات الاستعداد والتهيؤ لاستقبال شهر رمضان الكريم هي تطهير المال من الحرام، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «العِبادَةُ مَع أكْلِ الحَرامِ كالبِناءِ على الرَّمْلِ- وقيلَ: على الماءِ-»، وعنه صلى الله عليه وآله قال: «وكلوا الحلال يتم لكم صومكم». وقال الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «بِئْسَ الطَّعامُ الحَرامُ».



