إقتصادي

رؤية في اقتصاد العراق المالي .. الأعمال البنكية ذات الاحتياط الشامل في ضوء الواقع النقدي المرير

 

توفّر التقارير العراقية لمعهد الدراسات الإقليمية والدولية (IIR) تحليلا على أرض الواقع للقضايا الأكثر إلحاحاً في العراق. وتهدف إلى رفد صانعي القرار والخبراء بالبحوث والتحاليل المحكمة حول سياسة العراق. إن هذه التقارير فريدة من نوعها وذلك لكونها تصنع داخل العراق وترتكز على العمل الميداني في البلاد فضلا على البحوث ذات المصادر المفتوحة. التقارير العراقية لمعهد الدراسات الإقليمية والدولية هي بنات أفكار كل من “أحمد علي” و”كريستين فان دن تورن” وكلاهما لديه سنوات من الخبرة في إجراء البحوث والكتابة عن العراق. كما هو الحال في العديد من الإقتصادات التي تكون في حالة صراع قائم أو ما بعد الصراع، إن القطاع الخاص في العراق يستند في المقام الأول إلى الموارد النقدية. والتمويل البنكي غير متوفر للجميع فيما عدا الشركات الكبرى التي يقتصر التمويل البنكي لها على تسهيلات السحب المكشوف فقط. بينما تستخدم الشيكات غالباً ما بين الشركات داخل المدينة ذاتها، ويسيطر تحويل النقود عن طريق نقل النقود بشكل ورقي أو عن طريق شركات تحويل الأموال على نظام المدفوعات . إن معظم الأسر العراقية ليس لديهم حساب بنكي ، والأشخاص الذين يملكون مدخرات مالية يحتفظون بها على الأغلب بشكل حزم نقدية بالعملة الأمريكية (الدولار) في خزائن خاصة. تلك الحالة تضع قيوداً ضخمة على النظام المالي لأنها عملياً تقوم باستبعاد دور النظام البنكي ذات الاحتياط الجزئي. إن نموذج الأعمال التجارية للمؤسسات العراقية مختلفة تماماً عن تلك البنوك في الدول المتقدمة والتي عادةً ما تحجز مبلغا بسيطا من قاعدة الودائع كإحتياطيات على شكل نقود محفوظة في البنك أو على شكل حساب احتياط في البنك المركزي، ومعظم النقود التي تم إيداعها من السهل سحبها، وذلك لأن مودعي المال من المرجح أن يسحبوا مبالغ صغيرة من هذا المال في أي وقت. إن البنوك الأهلية وشركات تحويل الأموال التي تخدم الاقتصاد النقدي في العراق ليس بإمكانها أن تعمل بنفس طريقة البنوك في الدول المتقدمة. فالبنوك الأهلية تخضع إلى سحب كمية أموال ضخمة وغير متوقعة من المودعين سواء بشكل فردي أو جماعي، أما شركات تحويل الأموال فهي لا تستقبل الودائع المالية على الإطلاق، ونتيجة لذلك، أصبح النظام المالي في العراق لتحقيق مخططات الاحتياط البنكي أمراً بائساً، تلك المخططات التي اقترحها علماء الاقتصاد النمساويين كوسيلة للقضاء على الدورات الاستثمارية لمدة الازدهار والكساد . ويشبه ذلك إلى حد كبير “النموذج المثالي للنظام المالي في المجتمع الحر” الذي اقترحه هويرتا دي سوتو حيث يوجد دعم احتياطي الودائع بنسبة 100%، ونظام بنكي حر (غير نظامي) وحرية اختيار العملة. في حين أن جميع البنوك العراقية المملوكة للقطاع الخاص لا تمتلك نسبة المئة في المئة من ودائعها من النقد، وتلك الودائع المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية (ISX) كانت نسبة الودائع النقدية وهي مجتمعة تبلغ 97٪ في نهاية عام 2014، وهو رقم مرتفع للغاية بالمقارنة مع نظيراتها من الدول. على مستوى النظام، فإن مجموع شركات تحويل الأموال والنقود المحفوظة في الخزائن خاصة يوازي النظام البنكي ذات الاحتياط الشامل حيث توجد فيه كيانات مختلفة مسؤولة عن وظائف الحجز والدفع. كما أن شركات تحويل الأموال تشكل مثالاً للنموذج المثالي (النظام البنكي الحر) وذلك بسبب عدم وجود أنظمة تتدخل في مجال عملهم وتأثر “السمعة” على انضباطهم في العمل بشكل كبير. وأخيرا، فإن الدولرة (وهي عملية تحويل العملة العراقية إلى الدولار الأمريكي) الجزئية للاقتصاد تتيح للعراقيين حرية كبيرة في التعامل بالعملة. ومن الدلالات المهمة لاحتياطي الودائع المئة في المئة هو أن الودائع تحت الطلب ليست متاحة لتمويل القروض، التي يجب أن يغطيها البنك المركزي. وبالنسبة للنمساويين فإن هذا هو أمر مرغوب فيه لأنه يحول دون إمكانية أن تقوم البنوك في خلق النقود التي من شأنها ازدهار الاستثمار التي يغذيها الائتمان، وفي الحقيقة هذا لا يشكل مشكلة في العراق. كانت الأحداث في العراق التي أدت إلى زيادة نسبة الاستثمار هو نتيجة لارتفاع أسعار النفط وليس نتيجة فائض الائتمان. في واقع الحال فإن الأمر ليس كذلك، إذ يشتكي العراقيون في بعض الأحيان بأن حسابات ذات الاحتياطي الشامل أو الخزائن الخاصة هي غير متاحة للاقتصاد الحقيقي. بغض الطرف عن الشكل الذي يتخذه المال فإنه لا يتدفق في السلع المادية. إذ أن التجارة والاستثمار لا تقومان بتغيير وسيلة تحويل الأموال إلى سلع، إذ أنها تقوم ببساطة بتحويلها من المشترين إلى البائعين. يلعب النقد نفس الدور في نظام المدفوعات بغض النظر إذا كانت متوفرة أو غير متوفرةً ليتم سحبها. فهي لا تقف مكتوفة اليدين أبداً. ما يجعل واقع العراق مريراً هو ليس سياسة المدينة الفاضلة النقدية التي اقترحها هويرتا دي سوتو وغيره من علماء الاقتصاد النمساويون بل هو غياب سيادة القانون، فإن انعدام وجود رقابة فعالة على البنوك تؤدي إلى عدم تأكد مودعي المال بأن أموالهم في مكان آمن، الأمر الذي يجعل من الصعب على البنوك بأن تكون حامية لنقود عملائها. فقد أدى ذلك إلى ارتفاع في تكاليف المعاملات المرتبطة بحراسة ونقل الأموال. دون تنفيذ موثوق للعقود فأنه من المستحيل للوساطة المالية أن تتم من خلال صناديق الاستثمار الموحدة والتي يدعي النمساويون بأنها من الممكن أن تكون بديلا عن القروض البنكية في النظام ذات الاحتياطي الشامل. وعوضاً عن ذلك، فيجب أن يقتصر التمويل المتوسط وطويل الأمد إلى حد كبير بين الأطراف التي تعرف بعضها بعضاً بشكل شخصي، في حين أن اقتراح هويرتا دي سوتو قد يكون التصور الأمثل في بلد لديه مؤسسات قانونية وتنظيمية قوية، فإن النسخة العراقية من هذا الاقتراح ما هو إلا ملاذ أخير. إن أفضل ما يمكن تحقيقه هو من خلال “طلبات الشراء الخاصة” في ظل غياب إدارة حكومية موثوق بها. أما لما تبقى من هذا التقرير، فهو يوضح كيف أن الأعمال البنكية ذات الاحتياط الشامل قد أصبحت قاعدة أساسية في القطاع الخاص في العراق واستكشاف بعض من الآثار المترتبة على عملية صنع السياسات. يوضح الجزء الأول سبب ميل بنوك القطاع الخاص العراقية إلى عقد مستويات أعلى لاحتياطي الودائع من نظرائهم من البلدان المتقدمة على الرغم من عدم وجود أي شروط رسمية لدعم الاحتياطي الشامل. أما الجزء الثاني فهو يوضح إمكانية أن تسمح شركات تحويل الأموال للقطاع الخاص الذي يملك المال بالسيطرة على الدور الذي تقوم به الودائع عادة في نظام المدفوعات، مما يسمح للذين يحتفظون بالنقود في مخازن خاصة بأن تكون بمثابة نوع من “الإحتياطي المنزلي”. الجزء الثالث يبحث في البنك المركزي ويشرح سبب انعدام فعالية السياسة التقليدية النقدية والرقابة التحوطية، وأنظمة مكافحة غسل الأموال في ظل الأوضاع الحالية في العراق. وأخيرا، يختتم الجزء الرابع مع “ثاني أفضل” برهان للنموذج المثالي للنمساوي هويرتا دي سوتو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى