“دوران”.. قصائد تراجيدية مشتقة من زمن عراقي قديم

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد الشاعر جاسم العلي، واحداً من الشعراء الحريصين على التواجد في المشهد الشعري العراقي والناظر إلى تجربة ديوانه «دوران»، سيجد أن المعنى يليه المعنى، ففكرة الدوران، تؤكد ذلك وتشير إليه، وهذا ما سعى إليه الشاعر، وجعل من روح الشعر، القدرة والقوة على تغيير منطق الأشياء، والكلمات تخرج من اعتيادها المألوف وتتآلف عبر الإلهام مع التشكيل والتكوين والابتكار، وهذه هي قوة الشعر، وهناك العديد من الدراسات التي تناولت قصائده، ومنهم الناقد ناظم ناصر القريشي الذي كتب هذه الدراسة والتي تنشرها “المراقب العراقي”.
الشعراء دائما مفتونون بالخلق والابتكار وتشكيل الحياة، يتملكهم شغف التغيير، مدفوعون بطاقة الحب، لاقتفاء أثر الشعر أينما رحل وارتحل، والشاعر جاسم العلي في ديوانه «دوران» جعلنا نتساءل، هل هو دوران ذهني أم هو دوران فلسفي بكلمات شعرية؟ أم هو دوران شعري بنغمات لونية؟ فعبر انزياحات حيوية لسيميائية الفكرة.
إن الشاعر اختزل الفكرة في أقصى تجلياتها في لوحة الغلاف وجعل فعل التلقي يتماهى مع فكرة الشعر وقدرته على الإدهاش، لذا ابتكر الشاعر قصائده وصممها على شكل تسلسل شعري بقفزات دورانية راقصة، يمكنها أن تذهب إلى الجانب الآخر من التأويل، بعد التأمل في الوقت نفسه، وهذا ما يشير إليه العنوان الداخلي للديوان، حيث كرر كلمة الدوران مرتين، وهذا دليل على الحركة في اتجاهات متعددة، وسنجد أن أغلبها مفتتح لبداية محادثة وإثارة ذهنية، وهذا هو السحر الخفي لديوان «دوران» ففي البدءِ وفي دورانه الأول نجد الشاعر يخبئ وجهها في المستحيل، فيتسع المعنى، فيحتوي انفجار الفراغ اللصيق، بعد أن كان السكون ضيقاً، فيقول في قصيدة ألفه:
أُخبْئ وجهكِ في المستحيل
في انفجار الفراغ اللصيق
كغربةِ ظل غادرَ ظله
لتؤلفَ رغبة الرنين
صوتَ منتهاهِ
وفي قصيدة نهار، كانت الفكرة أن تحاكي النهار بحضوره وديمومته، نهار الشاعر ونهارنا، برغم أن الشاعر زهد في الكلمات وكثف في المعاني، فيبدأ القصيدة بكلمة حافل، أي ممتلئ بالفعل، والفعل بالحضور، سنجد هذه الصور الساحرة التي تشع أطيافاً متحركة على شريط القصيدة تنطق شعراً، وتثري رؤيتنا للعالم كما هو موجود، وكما قد يكون موجوداً:
نهار
حافلٌ…
بالنظائرِ شكل الغياب
قابل…
للطي والتذكرِ غشاء
الرغبة
في تنامي النهار
تراودنا الرؤيا دائما على مقامات الحلم الذي يجاور حياتنا، ومن فكرة تحاول أن تماثلها، وتتناظر مع الوقت، هل نحن نلاحق الحلم أم نطارد الوهم أم نبحث عن الحقيقة؟ في هذه الرؤيا التي تفترض وتعيد الاحتمال، مختزلة في حلم، مجردة من كل فكرة، وعلينا أن نثق بصدق حديثها الغامض مثل الأساطير، فهي بلا مواعيد ولا انتظار، هذا ما دوّنه الشاعر في قصيدة رؤيا:
رؤيا
هل كل ما أرى
وجهَكِ خطوة فوق بحار القمر
أرى
نجمةً كبيرةِ تتكئ على أشجار
المدينةِ
يفرح بها رصيف
عند
حلم الربيع.
وفي قصيدة (هيَ وحدها) التي هي على شكل تراجيديا مشتقة من زمن قديم، لحكايات تورق في الاشتياق، مازالت تدور في ذاكرتنا، فهي كشجرة الغيم تعرف أوان نضوجها فتثمر بالمطر، يقول الشاعر (في البيت القديم/ حين استدارت دورة الجمر/ والرياح التي كبلتنا) ثم يستدرك كل المعاني في هذه الجملة الزمنية التي تجعلنا نقف بين بعدين، وبين بينين، بين الوصول وعدم الوصول، بين العطش والارتواء فيقول (كلما شعرنا بأنّا اقتربنا/ رأينا البعد):
في البيت القديم
حين استدارت دورة الجمر
والرياح التي كبلتنا
تنافسُ أفراحنا،
كانت الأطراف تنثرُ رائحةُ الحنين
والوجد يطفئُ رغبتهُ ـ
التي لا تنتهي
لا تشتهي قاماتنا.
تخبئُ في اليمين هزائمنا
فتصفعنا نافذة البكاء
كلما شعرنا بأنّا اقتربنا
رأينا البعد..
وفي دورانه الثاني وفي قصيدة (الوجوه) سنجد وجوهاً متعددة بإبداعات تشكيلية، وجوهاً نعرفها حاضرة في تفكيرنا الجمعي، كما حاضرة في تفكير الشاعر الذي بيّن تفاصيلها كبورتريهات ترتسم أفكارها على ملامحها:
وجوهٌ تسبحُ في الظلال
وجوه لست تذكرها
تفككُ فيها دورةُ الأيام
شفرةَ الأحلام.
هي تلك الحياة بلا دهشة
تمحو لوحةَ الذاكرة…
إلا العالم المحفوظ في خزانة
تتلمسُ انعكاس
رغبة صافية
وحدها..
تلبسُ أضواء النجوم
تنبعُ رائحة المحبة
في البيت القديم.
وفي دورانه الثالث، نقرأ الشعر على اعتباره تمرداً، فالدوران بحد ذاته تمرد يتمحور في الكلمات وعلى الكلمات التي تحاول فعل التغيير، وهذا يذكرنا بدرويش يتوق الى اكتمال البياض، فيطوف حول الأزرق السماوي حتى تتطابق الفكرة، حيث (لا الضفاف تتسعُ المدى ولا المدى يتسعُ الحنين) فيدور حول ذاته وحول الكلمات فتجتمع بين يديه النجوم.



