الترابط بين الموت والحياة

ينبغي الانتباه ضمن دراسة ظاهرة الموت، إلى حقيقة أنّ ظاهرتي الموت والحياة توجدان في عالم الوجود نظام التعاقب، بمعنى أنّ موت كلّ جماعة يُمهّد الحياة لجماعة أخرى فيه، فأجساد الحيوانات الميتة لا تذهب هدراً، بل إنّها تولد حيوانات نشطة جديدة أو نباتات طرية شابة، كما أن الصدف يقدم لعالم الوجود عندما ينغلق درّة مضيئة ثم يتولّد من مادّة الصدف المنكسر نفسه – صدف جديد وشاب يُربّي في داخله جوهرة ثمينة أُخرى، وهكذا تتكرّر هذه العملية باستمرار، ويستمرّ فيض الحياة اللامتناهي وعلى مدى الزمان.
ولو لم يمت الذين عاشوا قبل ألف سنة لما حظي أهل هذا العصر بنعمة الحياة، كما أنّ بقاء أهل هذا العصر أحياء يسلب أجيال المستقبل فرصة الحياة، وإذا لم تقتطف ورود الموسم الزراعي السابق، فإنّ الورود الجديدة الطريّة لن تجد فرصة إظهار جمالها.
إنّ سعة المادّة لتقبّل الحياة المحدودة من جهة المكان، لكنّها غير محدودة من جهة الزمان، والطريف أنّ لمادّة العالَم سعة زمانية تتناسب مع سعتها المكانية، فكلّما ازدادت سعتها المكانية، ازدادت تبعاً لها سعتها الزمانية وبصورة لا نظير لها.
ومن المحتمل أن يعترض معترض بأن يقول: إنّ قدرة الله سبحانه مطلقة لا حدّ لها، فما المانع أن يبقى هؤلاء خالدين، ويوفّر الله للأجيال القادمة ما تحتاجه من مكان وطعام؟
لكن القائلين بهذا الاعتراض لا يعلمون أنّ كلّ ممكن الوجود قد أفاض الله ويفيض الوجود عليه، وغير الموجود هو الذي يفتقد لإمكانية الوجود. وحتى مع فرض إمكان وجود مكان آخر مناسب لحياة أقوام أخرى، فإنّ الإشكال يبقى على قوّته، لأنّ استمرار هؤلاء الأقوام في الحياة – حتى مع هذا الفرض – سيُشكّل مانعاً لوجود وحياة أجيال لاحقة في هذا المكان المفترض.
هذه الحقيقة هي قضية تكميلية للجواب الذي عرض تحت عنوان “الموت أمر نسبي”، والنتيجة استفادة من الجمع بين هاتين الحقيقتين هي: أنّ مادّة الكون تُوجدُ – بسيرها الطبيعي وحركتها الجوهرية – الجواهر النقية المتألّقة للأرواح المجرّدة، ثم تترك الروح المجرّدة المادّة وتواصل حياتها في مرتبة حياتية أعلى وأقوى، لتفسح المجال للمادّة لكي تُربّي في أحضانها جوهرةً أخرى.
وبناءً على هذه النتيجة يتّضحُ أنّ الموجود في هذا النظام الكوني هو التكامل والرقي في مراتب الحياة ولا غير، وهذا التكامل والرقي يتحقّق من خلال عمليات النقل والانتقال.
ولا يُمكن أن يكون ثمّة محلٍّ لمثل هذه الاعتراض في فلسفة الذي يقول: “كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تُبعثون” كما ورد في الحديث النبوي، وصاحب هذه العقيدة لا يرهب الموت، بل يُقبل عليه بشوق ويرى فوزه فيه كما كان حال الإمام علي عليه السلام، يقول الفيلسوف الإلهي الجليل السيد الميرداماد، ما مضمونه: لا تخش مرارة الموت، فمرارته تكمن في الخشية منه، ويُحدّد الفيلسوف الإلهي الإشراقي الشيخ السهروردي، قاعدةً مؤدّاها: نحن لا نعدّ الحكيم حكيماً حتى يُصبح قادراً على خلع بدنه بمحض إرادته، أي يُصبح خلع البدن والتحرّر منه ملكة له وكأمر عادي وبسيط. وللسيد الميرداماد – وهو الحكيم المحقّق ومؤسّس حوزة أصفهان – كلام مماثل لكلام الشيخ السهروردي.
أجل، هذا هو منطق العارفين بقيمة الجوهرة الثمينة التي تتربّى في باطن الجسم الإنساني، أمّا الذي حبس نفسه في سجن الأفكار المادّية الخاطئة وذات الأفق الضيّق، فمن الطبيعي أن يخاف من الموت، لأنّه يراه معبراً إلى العدم ويُوذيه تصوّر أن يهدم الموت هذا الجسم الذي يتوهّم أنّه يُمثّل كلّ وجوده وهويّته وحقيقته، ولذلك فإنّ رؤيته هذه للموت تجعله ينظر بعين التشاؤم إلى الكون برمته.
وعلى مثل هذا الشخص أن يُعيد النظر في طبيعة فهمه للكون والحياة، وعليه أن يعرف أنّ اعتراضه على وجود قانون الموت ناتج من فهمه غير الصحيح للكون والحياة.



