اخر الأخبارثقافية

نجوان درويش وشعرية السؤال الفلسطيني

شهدت السنوات الأخيرة طفرةً نوعيةً في ترجمة الشعر الفلسطيني. وفي فرنسا، يواصل الشاعر المغربي عبد اللطيف اللَّعبي مجهوداته في تقريب الأصوات الفلسطينية من القارئ الفرانكفوني. فبعد ترجمته كتباً لمحمود درويش وسميح القاسم، ومجموعةً لأشرف فياض، بالإضافة إلى إعداده لثلاث أنطولوجيات للشعر الفلسطيني، آخرها بالتعاون مع ياسين عدنان سنة 2022؛ ها هو يعود مُجدّداً بترجمة مختارات من الأعمال الشعرية لـ نجوان درويش، أحد أبرز شعراء الجيل الجديد، تحت عنوان: “لست شاعراً في غرناطة” (دار نشر “لو كاستور أسترال”، 2023).

يضم الكتاب قصائد مختارة من خمسة دواوين صدرت لدرويش بين 2018 و2021، وتشكّل مدخلاً نموذجياً لتجربته الشعرية. وقد لاقت أعمال نجوان درويش صدى دولياً واسعاً، وحظيت ترجمته إلى اللغة الإنجليزية من طرف المترجم والأكاديمي الأميركي من أصل مصري كريم جيمس أبوزيد باهتمامٍ ملحوظٍ في الولايات المتحدة.

يغلب على شعر درويش التساؤل بأشكاله المختلفة، وتتميّز معظم قصائده بنوعٍ من القلق والألم الدفينين. تفتتح المجموعة الشعرية بقصيدة “غِناء ليلي” يُسائل فيها الشاعر انتماءاته وآلامه: “يا ربّ لِمَ خَلَقْتني مِنْ أُمّةٍ إِذا سَكِرت / تهرَعُ إِلى مَصَبِّ الدُّموع؟” يتردد هذا السؤال بصيغٍ متنوعةٍ طوال الكتاب، داعياً القارئ إلى التأمل في القضية الفلسطينية انطلاقاً من أسئلةٍ ملحةٍ غالباً ما تبقى بلا إجابات.

يكتب اللَّعبي في تقديمه للمجموعة أن شعر نجوان درويش يندرج في إطار “فنٍ خامٍ وذي نبرةٍ حادةٍ ينبذ كل أشكال التصنع والتكلّف”. وكما يوحي عنوان الكتاب، فإن فلسطين درويش ترتبط بصورة الأندلس المفقودة وتبتعد عنها في الآن الواحد، حيث إن فقدانها يتكرر بشكلٍ مستمرٍ

إذا تأمل القارئ في شعر درويش، وجد أنه محل توترٍ حادٍ بين الشيء ونقيضه. فالأضداد عنده ليست متعارضة بل تربطها ازدواجية تزيد المأزق تعقيداً وتأزماً: “الأَمَلُ المُوشَّى باليأس /اليأسُ المُقطَّر مِنَ الأمَل”. وكما هو الحال غالباً في الشعر الفلسطيني، فإن كتابة نجوان درويش تعجّ بالمفارقات والتناقضات، كما أن الإشارات فيها كثيرة إلى المصير المعقد والوعر للإنسان الفلسطيني: “عِنْدي بَحْرٌ وجَبَل / والذينَ أُحِبُّهُم في المَنْفى”. لكن هذا لا يمنع البلاغة الشعرية التي غالباً ما تتبلور في استعارة تبدو بسيطة لكنها تحدث أثراً عميقاً في القصيدة: “مقاعِدُ الأَمل دائماً محجوزة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى