اخر الأخباراوراق المراقب

موقف الإسلام والغرب من قضيّة المرأة

الإمام علي الخامنئي

تجري في «قضية المرأة» مناقشة الهوية النسائية وهوية المرأة، وكذلك قيمها وحقوقها وواجباتها، وأيضاً حرياتها كما حدودها، وكل عنوان هو موضوع لقضايا مهمة جداً ومصيرية. اليوم، إذا نظرنا إلى العالم بنظرة عامة، نجد أن هناك توجهين ومقاربتين في هذه المجالات كافة: إحداهما المقاربة الغربية الرائجة والمتداولة وصارت رائجة أيضاً في الدول غير الغربية في جميع المجالات، والأخرى المقاربة الإسلامية، وتقفان في وجه بعضهما بعضاً. إنهما تياران ولكل منهما رأي في الرد على هذه القضايا والأسئلة المتعلقة بها، لذا تُمكن المناقشة في هذه المجالات كافة والوصول إلى إجابة، ولكن ثمّةَ نقطة هنا – في رأيي – وهي جديرة بالاهتمام: النظام الثقافي والحضاري للغرب غير مستعد لمناقشة هذه القضايا ويتهرّب من الدخول في النقاش والبحث.

موقف الغرب في قضيّة المرأة

إنَّ الثقافة الغربية “أيْ” النظام الغربي” لا يتقدّم لمناقشة أسئلة كثيرة في هذه المجالات، بل يفرض المسألة عبر إثارة الجلبة والغوغاء واستخدام الفن والسينما والقوة والفضاء المجازي وما إلى ذلك. إنه يفرض رأيه ومقاربته – إذْ ليس لديه منطق – عبر الأدوات المختلفة التي في تصرّفه، وليس لديه استعداد للمناقشة والإجابة عن الأسئلة. والسبب هو افتقار الغرب للمنطق، إذْ إنّ السلوك الرائج في الغرب حالياً – يغدو أكثر سوءاً وسخافة يوماً بعد يوم – في مجال قضايا المرأة، وفي دول كثيرة أخرى تبعاً للغرب، لا يستند إلى أيّ منطق. لذا، لا يدخلون في المناقشة، وليسوا مستعدين لتقديم منطق “لسلوكهم”.

موقف الإسلام من قضيّة المرأة

أمَّا موقف الإسلام، فهو عكس ذلك تماماً، فإنّ نهجه منطقي واستدلالي وبيان واضح وصريح في هذا الصدد، تُعدّ «قضية المرأة» من إحدى نقاط القوة للإسلام.

أود أن أقول هذا: لا يظنّ بعض الأشخاص أن علينا التفرّغ للردّ على القضايا ذات الصّلة بالمرأة. كلّا، للإسلام منطق متين وقويّ وركيزة عقلانيّة في الجوانب كافة والمرتبطة بالمرأة، سواء أكان في المواضع التي ينفي فيها قضيّة «نوع الجنس»، أم تلك التي يسلّط الضوء عليها؛ ثمة منطق خلف كل هذا.

يتجاهل الإسلام في بعض المواضع «نوع الجنس» تماماً، فالقضية ليست قضية الرجل والمرأة إنّما كرامة الإنسان؛ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. ليس المهم ههنا «نوع الجنس». إنّ القيم الإنسانيّة متساوية في الرجل والمرأة، وفي مقارنتها القيميّة مع جنس الرجل ليس «نوع الجنس» مهماً إطلاقاً؛ ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، إلى آخرها، ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾  إلى آخر الآية من سورة الأحزاب فكل هؤلاء على السواء عند الله المتعالي في درجات العروج المعنوي، أي لا أرجحية مطلقاً له عليها، ولا أرجحية لها عليه؛ كلاهما وُضع على هذا الطريق بمواهب مشابهة، والأمر رهن همّتهم، فثمة نساء لا يُدانيهنّ في المرتبة أيُّ رجل. بناء عليه «نوع الجنس» غير مهم.

الأمر كذلك في أصل المسؤوليات الاجتماعية. قال الإمام “الخميني” (رضوان الله عليه) في موضعٍ إنّ الانخراط في السياسة والمقدّرات الأساسية للبلاد وظيفة المرأة وتكليفها، وهو حقها وتكليفها، أي أوجب أنّه يتعيّن على النساء الانخراط والخوض في مقدّرات البلاد والمهمات الأساسية لها، وبطبيعة الحال هذا بحد ذاته يستتبع مبحثاً طويلاً، أي لا يوجد في هذه المجالات فرق بين الرجل والمرأة.

وفي التكاليف الأسريّة، فبالطبع لا؛ ليست التكاليف المتعلّقة بالأسرة متساوية، فلكلٍّ ضربٌ من التكليف. فالإمكانيات والطاقات الجسدية والروحية توكل إلى كلٍّ [منهما] وظيفة؛ هنا يلعب «نوع الجنس» دوراً. وما يطلقونه من شعار «المساواة بين الجنسين» بنحو مطلق، هو خطأ، فليست المساواة بين الجنسين في كل مكان. في مواطن، نعم، توجد مساواة، لكن لا توجد مساواة أيضاً في مواطن أخرى، بل لا يمكن أن تكون. فالصحيح هو «العدالة بين الجنسين»، فالعدالة بينهما مُعتدّ بها في كل مكان.

[من قبيل] قضية أمن المرأة، [أي] الأمن داخل الأسرة، ينبغي أن تشعر المرأة بالطمأنينة إلى جانب الرجل، وتشعر بالأمان، فجدران المنزل الأربعة محلُّ الأمن والطمأنينة. إذا كان سلوك الزوج بنحوٍ يحرم فيه المرأة هذا الشعور بالأمان، فتشعر بفقدان الأمان، ويُسيء الرجل الكلام، أو أسوأ من ذلك وأشنع، فيستعمل يده، فهذا لا يمكن قبوله أبداً. ما الحل؟ الحل هو القوانين الحازمة. قلت هذا مراراً. يجب [سن] قوانين حازمة، قد أشاروا إلى القانون في مجلس الشورى الإسلامي، وبطبيعة الحال، يجب ولا بدّ من متابعة هذه [القوانين]. وسنوصي بدورنا، وأنتم أيضاً تابعوا بأنفسكم. يجب أنّ ينال الرجل الذي يخلق للمرأة بيئة غير آمنة داخل المنزل عقوبة قاسية، والأمر كذلك خارج المنزل.

هناك نقطتان مهمّتان في رؤية الإسلام، فإنّ قولنا الطريق مفتوح أمام السيّدات في المجالات كلّها – الأنشطة الاجتماعيّة والسياسيّة وغيرها – يقع بجانب هاتين النقطتين المهمّتين، والإسلام حسّاسٌ جدّاً تجاه هاتين النقطتين: الأولى قضيّة الأسرة التي أشرت إليها، والأخرى خطر الجاذبيّة الجنسيّة. فالإسلام حسّاسٌ تجاه هذا. إنه يُحذّرنا من أن تكون البيئة والأجواء على نحو يجعل منحدر الجاذبيّة الجنسيّة – هو أحد المنحدرات الخطرة جدّاً – المرأة أو الرّجل يواجهان مشكلة معيّنة، فلا بدّ من الحذر.

الحجاب يندرج في هذا الإطار، فقضيّة الحجاب من تلك الأمور القادرة على تقييد خطر الجاذبيّة الجنسيّة، وإنّ تأكيد الإسلام على قضيّة الحجاب مردّه هذا الأمر. تُعرض قضيّة الحجاب في موضعين من سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ … ﴾؛ أولئك الذين يذهبون إلى منزل النبي (ص) – افترضوا أنّهم ضيوف ويريدون استلام طعامٍ معيّن – يجب ألّا يواجهوا زوجة النبي (ص) بل أن يأخذوه من خلف ستار، فقد جرى التدقيق في هذا الأمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى