اراء

عملية ميرون: ماذا يعني أن تُفقأ عين الشيطان؟

بقلم: حيّان نيّوف..

في خطابه الأخير والثاني بعد جريمة اغتيال الشهيد العاروري والعدوان على الضاحية الجنوبية، قال الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله إن “المسألة مسألة الميدان والتوفيق من الله سبحانه وتعالى”، بعد أن ختم خطابه الذي سبقه بعبارة “بيننا وبينكم الميدان والأيام والليالي”. كان ذلك كافيًا لكل متابع لسماحته ليكتشف بأن عملية الردّ والعقاب باتت وشيكة، فقد غابت الأيام والليالي وبقي الميدان. وبالفعل لم تمضِ ساعات حتّى ساء صباح المُنذَرين، وراح مجاهدو المقاومة يدكّون قاعدة ميرون الإسرائيلية الواقعة على جبل الجرمق على ارتفاع 1250 مترًا عن سطح البحر بالصواريخ المتنوعة التي وصل عددها إلى 62 صاروخًا، في ظلّ عجزٍ وذهول اسرائيلي على كافة المستويات العسكرية والسياسية والإعلامية.

من حيث الشكل فإن حزب الله اختار هدفًا في شمال فلسطين المحتلة قريبًا من الحدود اللبنانية على مسافة 5 كم فقط، ولم يكن هدفًا في العمق. ولعلّ السيّد في خطابه كان قد ذكر أن المجاهدين في المنطقة الحدودية الباردة والمرتفعة هم من سيردون على الجريمة، وكأن ذلك كان مؤشرًا على أن الهدف ليس ببعيد عن الحدود.

من حيث المضمون والأهمية العسكرية للهدف، فإن قاعدة ميرون المستهدفة تُعتبر مركزًا للإدارة ‏والمراقبة والتحّكم الجوّي الوحيد في شمال الكيان الغاصب ولا بديل رئيسيا عنها، ‏وهي واحدة من قاعدتين أساسيتين في كامل الكيان الغاصب وهما “ميرون شمالًا” ‏و”متسبيه رامون” جنوبًا.

وبالتالي فإن استهداف قاعدة ميرون يعني أن المقاومة الإسلاميّة قد أصابت سلاح الجو الصهيوني بضربة ما وأربكت العدوّ في جزء كبير من التحكم الجوي بالمعركة، إضافة إلى الجانب الاستخباري الذي تختص به القاعدة، ما يعني أن العدوّ خسر جانبًا استخباريًا وبات جيشه مكشوفًا في ظل فقدان الإدارة والتعمية والتشويش والمعلومات التي تؤمنها هذه القاعدة.

ولم تمض ساعات قليلة على عملية المقاومة حتّى سارع الكيان الصهيوني إلى الإعلان عن سحب آلياته من شمال القطاع إلى غلاف غزّة، قبل أن يزعم جيش العـدو “إكمال تفكيك “الهيكل العسكري” لحركة حماس في شمال غزّة”، وفق ادعائه.

عملية ميرون التي نفذتها المقاومة الإسلاميّة لا شك أنها ستؤثر في المعادلات العسكرية للكيان الصهيوني، وهناك رعب حقيقي لدى قيادة الكيان العسكرية من نتائج عملية حزب الله قد تكون اضطرتها إلى تغيير في أولوياتها وفي توزيع وانتشار جيشها تحسبًا لمعارك الشمال.

تزامن خطاب السيّد ومن بعده عملية ميرون مع وصول مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل إلى بيروت بمهمة واحدة تتمثل بالتهدئة على الحدود ومنع توسيع الصراع خدمةً للكيان الصهيوني، وكذلك مع بدء جولة وزير الخارجية الأميركـي انتوني بلينكن في المنطقة على تسع دول حليفة لواشنطن بدأها من تركيا. الزيارتان كانتا مقررتين بُعيدَ عمليات الاغتيال والتفجير التي قامت بها كلّ من واشنطن و”تل أبيب” في الأسبوعين الأخيرين في كلّ من دمشق وبيروت وبغداد وفي كرمان بإيران، ويبدو أن المسؤولين جاءا متسلحين بنتائج الجرائم والتصعيد الذي تمت ممارسته وظنًا منهما أن ذلك يشكل عامل ضغط يستطيعان من خلاله فرض شروط للتهدئة بما تتناسب مع مصالحهما ومصالح “اسرائيل“.

لم يسعف الحظ كلا المسؤولين المعروفين بصهيونيتّهما وولائهما لـ”إسرائيل”. فالصدمة الأولى التي تلقاها كلٌّ منهما جاءت من خطاب السيد الذي جزم الموقف السياسي بالقول بأنه “لا تفاوض قبل وقف العدوان على غزّة”، وهو موقف يمثل كلّ مكونات محور المقاومة وليس موقف حزب الله لوحده. وحتّى ملف التفاوض حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة فقد جزم السيد بأنه يأتي بعد انتهاء المعركة في غزّة ووقف العدوان، واعتبره من بركات طوفان الأقصى التي دخلتها المقاومة الإسلاميّة في لبنان بنية خالصة لدعم غزّة، كحال مواقف المقاومة في اليمن والعراق وسورية، وهي الأخرى كان لها نصيب من بركات طوفان الاقصى، فاليمن بات في صلب المعادلات إقليميًا ودوليًا، وسورية والعراق باتا أمام فرصة تاريخية لإخراج قوات الاحتلال الأميركـي من أراضيهما.

وأما الصدمة الثانية التي تلقاها المسؤولان بوريل وبلينكن فكانت عملية “ميرون” البطولية ونتائجها الخطيرة على حليفهما الإسرائيلي كما اوضحنا ذلك في الجانب العسكري.

نتائج عملية ميرون بما تحمله من التهديد والرعب للكيان الصهيوني ستجعل الأميركي يزجّ بكل إمكانياته لتغيير قواعد الطروحات السياسية وسبلها وقنواتها بعد اللقاءات والاجتماعات غير ذات الجدوى في عواصم التطبيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى