ثقافية

حين تتبنى الذات الشاعرة هموم الشعب والوطن مع الشاعرة «وداد الواسطي» في مجموعتها «ما تبقى من كفني»

نهخحهخ

ناهض الخياط

من المركزالثقافي للطباعة والنشر/ بابل، تطل علينا الشاعرة (وداد الواسطي) بمجموعتها الشعرية الأولى (ما تبقى من كفني) لسنة 2015، تضم بصفحاتها المتوسطة تسعاً وسبعين قصيدة، تشتمل في أغلبها على قصائد نثر، مع بعض من قصائد التفعيلة المتناغمة بمضامينها مع الأعم من سياق ما يجاورها، و للشعر العمود من قصيدتين متواضعتين: الأولى من وزن البسيط، والثانية من وزن الرمل. وقد زُيِن غلاف الكتاب بلوحة فنية للطفلة الموهوبة (هبة نزار).
يستقبل القارئ المجموعة كغيرها من المجموعات الشعرية التي ينتجها الشعراء، بكونها عالم الشاعرة المرسوم برؤيتها بين حدود فضائه ومديات أبعاده، ونرى في عنوان مجموعتها بوابة ومدخلا منوّها بما سنراه، فيحيط إحساسنا بما تعانيه الشاعرة وما تريد، ومن ثَم ما يتحقق من مشاركتنا بما يعتلج في فكرها ومشاعرها، لنخفف عنها، أو لنساعدها في تحقيق ما تصبو إليه عبر شعريتها التي تخصها دون سواها، وهي مقتنعة بأننا سنفهمها، لأن وطنها هو وطننا، وحياتها في حراكها الشامل حياتنا.
يؤكد العنوان بدلالته وصياغته أهميته في تشويقنا لقراءته للمتعة فيه، ومعرفة ما يتضمنه في خفايا بواطنه. فما الذي يفضي إليه عنوان الشاعرة (الواسطي)، بعد أن رسمت به إطلالة الموت بما تبقى من كفنها، وهي لمّا تزل بيننا، تمارس حياتها وإبداعها، لكنها رسمت لنا بإيماءات عنوانها عالماً ميتاً منذ سنين، أو بمعنى آخر، حياة مقفرة، فاقدة لبهجتها وأمنها، وطقوسها الجميلة، ومثلها التي عاشها السابقون.
ولم تكتف الشاعرة بعنوانها فاتحا موجِها لمضامينها، بل عززته بأولى قصائدها (خدعتني وأنت أبي) لتؤكد بها معاناتها، وانطباعها الرافض لعالمنا بما تلقاه منه، وما تراه فيه:
متأرجحة أنا
بين إيمان فقدته
وشك يمد مخالبه
ينهش مني كل شيء
كما تضع في نهاية قصيدتها الآخيرة (أنا المغدور) آخر اللمسات لمديات عنوانها:
هنا على جسدي
آثار طغيانك
وجبروتك
وعلى وجهي آثار سطوتك
وعبر قصائدها يسير القارئ تحت سماء مدلهمة بغيوم أحزانها، وهي تمطر بما يبرر للشاعرة دلالة عنوانها (ما تبقى من كفني)، هذا الكفن الذي نسجه مكوك مشاعر لائبة بآلامها وآمالها المختنقة.
غير ان هذه السماء الملبدة بغيومها المرعدة، لا تعني لنا أن الشاعرة مصابة بالسوداوية، أو داعية منهزم، يبث روح اليأس والقنوط، وإما تريد ان ترسم لنا ما يظهر وما يكمن حقيقة في هذه الفواجع المتعاقبة في حياتنا، ولذا فهي لا تكف عن إطلاق وميض التفاؤل والأمل في هذه السماء، كما ظهر منه على الواجهة الثانية من غلاف مجموعتها، وهو جزء من قصيدتها (ما تبقى من كفني)، كما كان عنوانها:
ما تبقى من كفني
وأنا ألقي آخر شباكي
كي أصطاد حلماً
أقتنص أملاً أحاكي نجمة
وإن ما يطفح لنا في سياق قصائدها من أفكارها الفلسفية والتأملية، تكتسب الشعرية فيه غنائيتها من جدية موقفها الشجاع، وبوحها الصادق إزاء ما تراه معاكسا لمسيرة الزمن بقوانينه الثابتة:
أتفحص تضاريس وجهك
وأنت تقلب حبات مسبحتك
واهماً بأن الحياة
مثل دوراتها
سلسلة ناعمة
تقلبها كما تشاء/ قصيدتها (واهم أنت)
وبهذه المعالجات الشاعرية تغتني قصائدها، حتى الومضة منها، بما تثيره في نفوس قرائها من دلالات مشتركة معهم وتداعيات، كما في ومضتها مثلاً:
الطائر الذي يحمل
رسائلي
اغتاله البرابرة
وكومضتها أيضا:
تلك الأنثى القابعة
داخلي
ألد ّ أعدائي
كم أتمنى أن تخرج
في هذه الومضات المضيئة بدلالاتها، ومضامين قصائدها المنطوية على الدفاع عن الحياة وتعرية أعدائها، لا نرى إلاّ إشراقة فكر وروح، وليست بقايا كفن!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى