حماية المستهلك ما بين الإجراءات الرقابية وأساليب الغش التجاري
لا مبالغة كبيرة في القولِ إنَّ تناميَ فعالية الإغراق السلعي وتحولها إلى إحدى أبرز الظواهر المميزة للسوقِ المحلي، ترتب عليها جملة من الآثارِ السلبية الَّتِي أفضت إلى المساهمةِ بإحداثِ تشوهاتٍ في ملفِ الاقتصاد الوطني، ولاسِيَّمَا الإضرار الكبيرة الَّتِي تعرض لها القطاع الخاص بجميعِ مفاصله وتسببت بتراجعِ إنتاجيته. ولعلّ من جملةِ تداعيات هذا الواقعِ الَّتِي ما يزال السوق المحلي يعيشها هو ركونِ شريحة واسعة من التجارِ إلى اعتمادِ ما متاح من آلياتِ الاستيراد العشوائي بقصدِ السرعة في تحقيقِ أرباح طائلة؛ بالنظرِ لتوفرِ المناخ الملائم لترويجِ مواد مغشوشة أو منتهية الصلاحية بفعلِ تدني النشاطات الرقابية المتأتي من ضعفِ إجراءات الأجهزة المعنية، فضلاً عن صعوبةِ فرض سيطرتها على المنافذِ الحدودية، وبالتالي عجزها عن تنفيذِ التشريعات القانونية النافذة بصددِ التعامل بمهنيةٍ مع ما يدخل البلاد من بضائعٍ وسلعٍ مختلفة المصادر.
من نافلةِ القول إنَّ أبرزَ المشكلات المتعلقة برداءةِ المواد المستوردة تتمحور حول الأدوية والمواد الغذائية نتيجة خطورتهما المتمثلة بسلبيةِ آثارهما في صحةِ المستهلكين، فضلاً عن تعزيزِهما لمصادرِ تلويث البيئة. إذ أنَّ الحصولَ على العلاجِ في بلادِنا أصبح في الوقتِ الحاضر من المعضلاتِ، الَّتِي أفضت إلى استحالةِ جعله في متناولِ جميع المواطنين بسببِ تعدد العلامات التجارية لنفسِ النوع من الدواءِ المعروض في الصيدلياتِ وبأسعارٍ مختلفة، وأن كان الكثير منها غير فاعل التأثير لتدني كفاءته أو نتيجة انتهاء صلاحيته أو إخضاعه لعمليةِ غش تجاري عبر إعادة تغليفه بعد تغيير تأريخي الإنتاج ونفاد الصلاحية وتسويقه بطريقةٍ منافية لأخلاقيةِ مهنة الصيدلة وتأريخها الزاخر بالمواقفِ الإنسانية في بلادٍ ما يزال شعبها يتباهى في تمسكِه بما ورثه من تقاليدٍ وأعرافٍ تنهل من نبلٍ منظومته القيمية.
لا يخامرنا شك في أنَّ مشكلةَ المنتجات الغذائية الفاسدة الموردة إلى السوقِ المحلي لا تقل خطورة عن سابقتِها المتعلقة بالمنظومةِ العلاجية، إذ كان الإخفاق مرافقاً في بعضِ الأحيان لمحاولةِ الأجهزة المعنية الوثوق من صلاحيةِ المواد الغذائية المستوردة للاستهلاكِ البشري بفعلِ تعدد الجهات المسؤولة عن سلامةِ الغذاء، الأمر الَّذي ساهم بتلكؤ المنظومة الرقابية في إجراءاتِها جراء عدم تكامل حلقات عملها وتشتت مفاصلها في أماكنٍ متباعدة، بالإضافةِ إلى قدمِ القوانين الخاصة بسلامةِ الغذاء وعدم ملاءمتها لمتطلباتِ المرحلة التاريخية الحضارية، الَّتِي تفرض على الجهاتِ ذات العلاقة ضرورة مواكبة ما يعيشه عالم اليوم من تطوراتٍ متسارعة، أدتْ إلى إنتاجِ تقنيات متقدمة في مجالِ فحص المنتجات الغذائية لأجلِ ضمان سلامتها والتيقن من عدمِ إضرارها بصحةِ المستهلك وبيئة الحياة، ولاسِيَّمَا أنَّ السوقَ المحلي يعتمد بنسبةٍ كبيرة على الموادِ الغذائية المستوردة.
إنَّ عدمَ صلاحية بعض المواد الغذائية المستوردة للاستهلاكِ البشري، لا يعني سلامة جميع المنتجات الغذائية المصنعة محلياً بعد أنْ استغل بعض ضعاف النفوس تراجع الأداء الرقابي وعدم تفعيل الحكومة القوانين الخاصة بحمايةِ المستهلك، فضلاً عن تقادمِ التشريعات القانونية الخاصة بفرضِ غرامات مالية على هذه الجرائم، واطلق لنفسِه العنان في التفننِ بأساليبِ الغش والخداع لأجلِ إعادة إنتاج أغذية تالفة وترويجها في السوقِ المحلي بمعاونةِ شبكات متمرسة في ميدانِ الجريمة الاقتصادية.
لا مغالاة في القولِ إنَّ سلامةَ الغذاء والدواء يعدان من الأمورِ بالغة الأهمية، الَّتِي لا يستهان بها بسببِ كارثية تداعياتها على الصحةِ العامة وآثارها السلبية على عناصرِ البيئة، الأمر الَّذي يلزم الحكومة إعدادِ منظومة رقابية فاعلة من شأنِها ضمان سلامة المستهلك، الَّذي ما يزال رهين ما يروى على مسامعِه من حينٍ لآخر عبر مختلف الوسائل الإعلامية عن إتلافِ الجهات الحكومية عشرات الأطنان من الأدويةِ والمواد الغذائية الفاسدة المهربة أو المعدة محلياً.
في أمان الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



