اخر الأخباراوراق المراقب

اختر لي امرأة ولدتها الفحول.. أم البنين أنموذجاً!

لا يختلف اثنان على وفاء هذه المرأة الجليلة والنبيلة ذات العفة والورع، لأهل البيت سلام الله عليهم، ليس فقط في معركة الطف التي قدمت فيها ابناءها الاربعة، فداءً للامام الحسين عليه السلام، بل بكل المواقف التي مرت على أل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وحينما قال أمير المؤمنين (ع) لأخيه عقيل:(اختر لي امرأة  ولدتها الفحول من العرب؛ لأتزوّجها لتلد لي غلاماً فارساً)، فأنجبت أعظم الرجال شجاعة وثباتاً وإقداماً ولذا أشار صاحب الشريعة الحقّة بقوله: (الخال أحد الضجيعين، فتخيّروا لنطفكم)، فقد أنجبت هذه المرأة المحترمة أعظم الرجال شجاعة وثباتاً وإقداماً، وهو حري بتلك الشجاعة الباهرة.

فقد تزوّج أمير المؤمنين(ع) أم البنين (فاطمة) بعد وفاة الصدّيقة سيّدة النساء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، وأنجبت له أربعة بنين، هم؛ العباس المسمّى بالسقا، ويسمّيه أهل النسب أبا القربة، وصاحب راية الإمام الحسين(ع)، وعبد الله وعثمان وجعفر، وقد استشهدوا جميعاً مع الإمام الحسين (ع) في واقعة كربلاء يوم عاشوراء، ولا بقيّة لهم إلاّ من العباس.

كانت أم البنين من النساء الفاضلات، العارفات بحقّ أهل البيت، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحل الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة المنورة تعزيها بأولادها الأربعة، كما كانت تزورها أيّام العيد، وبلغ من عظمتها، معرفتها وتبصرتها بمقام أهل البيت، إنّها لمّا دخلت على أمير المؤمنين(ع)، وكان الحسنان مريضين أخذت تلاطف القول معهما، وتلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تحسن السيرة معهما، وتخضع لهما كالأمّ الحنون، ولا بدع في ذلك؛ فإنّها ضجيعة شخص الإيمان، قد استضاءت بأنواره، وربت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدّبت بأدبه، وتخلّقت بأخلاقه .

وان قومها ورهطها من الأعمام والأخوال يتمتّعون بكلّ خصلة فاضلة جليلة، وحباها الله كذلك مجداً وشرفاً لاحقاً جاءها بعد زواجها من أسد الله وأسد رسوله، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فكانت بذلك أفضل امرأةـ من غير البيت النبوي الشريف ـ تحوز على الشرف والمجد والرفعة من كلّ جانب، ولندخل في رحاب سيرتها الذاتية؛ بغية إعطاء صورة للقرآء الكرام.

قال الإمام علي(ع) مخاطباً عقيل، وكان نسّابة، عالماً بأخبار العرب وأنسابهم: (أبغني امرأة قد ولدتها الفحول من العرب؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاماً أسداً)، فقال له عقيل: أين أنت من فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية ؟ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس، ولمّا دخلت بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت ترعى أولاد الزهراء (سلام الله عليها) أكثر ممّا ترعى أبناءها، وتؤثرهم على أولادها؛ تعويضاً لما أصابهم من حزن، وفقدان حنان لموت أمّهم الزهراء البتول .

وقالت يوماً إلى أمير المؤمنين(ع) يا أبا الحسن: نادني بكنيتي المعروفة (أم البنين)، ولا تذكر اسمي (فاطمة)، فقال لها الإمام(ع): (لماذا؟) قالت: أخشى أن يسمع الحسنان، فينكسر خاطرهما، ويتصدّع قلبهما لسماع ذكر اسم أمّهما (فاطمة).

لذا صار لها جاه عظيم، وشأن كريم عند الله، وعند رسوله، وأهل بيته الغرّ الميامين، فما توجّه إنسان إلى الله العلي العظيم وسأله بحقّها إلاّ قضيت حاجته، ما لم تكن محرّمة، أو مخالفة للمشيئة الإلهية، ويقول أحد الدارسين لشخصيّة أمّ البنين (سلام الله عليها) : إنّ سير العظماء في تاريخ الإسلام، أعلام إنسانيّة باذخة، يكبرها لمسلم وغير المسلم، وإنّ أمّ البنين كانت أقوى جرأة وشجاعة، وأصلب المؤمنات على تحمّل الصعاب، تطلب المجد والكرامة، والمجد لا ينال إلاّ بالمصاعب، وركوب المخاطر، والتضحية والاستبسال .

إنّ في حياة هذه السيّدة الجليلة أخباراً طريفة، وآثاراً ممتعة، جعلتها مثالاً صالحاً، وقدوة حسنة في المعارف والصلاح، وإجابة لله وللرسول الكريم حين أمر محمداً(ص) بودّ أهل البيت وحبّهم، وولايتهم والاتّباع لهم، والتمسّك بعروتهم .

وثمّة شيء ينبغي أن يعرف، وهو قد كان لسعة اطّلاعها في الأمور، وإخلاصها الكريم، وماضيها المجيد، أثر حاسم في تعلّق الناس بها، وثقتهم ومحبّتهم التي لا حدّ لها بشخصها، فاستطاعت بحكمتها وصبرها، وبُعد نظرها التغلب على كلّ الصعاب، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنّما يدلّ على حنكتها وجلدها، ومعدنها الأصيل ضمن إطار الأخلاق العربية، والتربية الإسلامية الأصيلة، وتقاليدها في التعامل مع الجمهور في احترامها لهم؛ لأنّ المرأة عظيمة المنزلة عند أمير المؤمنين(ع) في العلم والحلم، والمعارف والصلاح. عظيمة المنزلة عند الناس .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى