اخر الأخباراوراق المراقب

الإمداد الغيبي حتمي في الجهاد

السيد هاشم صفي الدين..

يتضح لنا أن الجهاد الذي أوجبه القرآن هو ليس فريضةً فردية يقوم بها الإنسان المؤمن لإبراء الذمة فحسب، وإنما هو مشروع متكامل البنية في إطار تحقيق هدفٍ إلهي تمت رعاية كل جوانبه بدقة متناهية لينخرط جميع المؤمنين فيه، وبيّنا أن شروط تحقّق هذا الجهاد لازمة وضرورية وهي باختصار:

عناصر الدافع والمنطلقات (التقوى، ابتغاء الوسيلة إلى الله).

عناصر ملازمة الحق والصراط المستقيم (جهاد في سبيل الله)، وهذا له دورٌ أساسي في تشخيص المعركة التي تشارك فيها.

عناصر الهدف الشرعي والإلهي بحسب الأهداف التي ذكرناها قبل قليل.

عناصر الاستعداد والاقتناع بإلقاء كل الإمكانيات والطاقات في المعركة الإلهية ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.

والسؤال المطروح هنا هل إن توفرَ هذه العناصر كافٍ للمشروع في أداء هذه المهمة والإتيان بهذا التكليف؟ للوهلة الأولى، يبدو الأمر كذلك، لكن ما زلنا لغاية الآن نتحدث عن المقدمات اللازمة لتشخيص طبيعة الجهاد كما فهمناها من القرآن الكريم، أما نفس خوض غمار الجهاد فإنه يحتاج إلى عناصر إضافية هي أيضًا تخضع لسنن وقوانين إلهية لم يغفلها القرآن الكريم وفصَّلها، سواء في تجارب الأنبياء(ع)، أو في تجربة الرسول الأكرم (ص) ومن معه من المسلمين، وأما هذه العناصر فهي:

الغلظة، والشدة والحزم والخبرة كلها عناصر ضرورية ينبغي توفرها في المعركة، فلو أن عليًّا (ع) لم يكن بهذه الشدة والقوة كيف سيهابه المشركون؟ وكيف سينتصر على كل الفئات التي واجهها في ميدان المعركة، فضلًا عن ضرورة توفر كل العناصر اللازمة من خطط وأساليب تناسب المعركة وطبيعتها؟ وانظروا إلى التسهيل الإلهي حيث قال: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يطلب توفير الإمكانيات والخبرات الهائلة، المطلوب أن تبرز الصدق في إيمانك بالمعركة، والحق الذي تطلبه من خلال إلقاء ما عندك في ميدان المعركة.

الصبر في المعركة: إذا كان الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، فإن الصبر في الجهاد هو روح النصر، إذ تجتمع فيه خصال الثبات والعطاء والتسليم، فلا ينبغي للذي يمارس فريضة الجهاد أن يستعجل النصر، إذ إن الله سبحانه جعل في القتال امتحانًا للإنسان وبلاءً من جهة، وجعله طريقًا طبيعيًّا وعاديًّا في دفع الباطل والفساد، ولو لم يكن المطلوب تحقيق النصر على أيدي المجاهدين لكان بالإمكان الإتيان بالغلبة عن طريق المعجزة دفعةً واحدة، وهذا لا يحقق الغرض الإلهي.

قال تعالى:﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾.

لذا نجد أن الصبر في الجهاد عنصر ضروري لاكتمال شكله وواقعه، وعلى هذا جرت سيرة الأنبياء (ع) ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ 7.

من الطبيعي أن الفئة التي تجاهد في سبيل الله، وفي سبيل إحقاق الحق، ستواجه الحصار والأذية والتشكيك وتثبيط العزائم وكل أنواع التنكيل من الباطل وأهله، وكل معركة ستواجه شرًّا ومكروهًا بحسب أهدافها وبحسب طبيعة العدو وسطوته واستكباره، ومن البديهي أنه لا يمكن أن تحصل المدافعة والمواجهة دون صبر وتحمل.

العنصر الثالث والضروري في الجهاد هو التوكل على الله

قال تعالى:﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾، بعد كل المقدمات المعنوية والمادية نصل إلى عنصر الحس في الجهاد، والذي كان أيضًا حاضرًا في جهاد الرسول وكل الأنبياء (ع)، إذ لا يجوز في لحظات احتدام المعارك أن تنسى الله وقدرته المطلقة والتي جعلها على أي حال في نصرة أهل الحق طالما هم ملتفتون ومتوكلون عليه، أما إذا نسوه ينساهم ويكلهم إلى أنفسهم وإلى المعادلات المادية الطبيعية، ومع توفر هذا العنصر تكتمل الشروط اللازمة للجهاد، الذي أراده الله تعالى في كل مراحله وتكوناته، وهنا يكون النصر لازمًا وحتميًّا، وهنا يكون الغيب في خدمة المجاهدين الصابرين الصادقين

ومن تجليات التوكل اليقين والثبات في المعركة، يقول أمير المؤمنين (ع): “ومثلي لا يهدد بالحرب وأنا على يقينٍ من وعد ربي” ومن تجلياته أيضًا الإكثار من الدعاء لاستنزال هذا الدعم وهذا التأييد، فانظروا إلى قوله تعالى:﴿ وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾.

لغاية الآن، ذكرنا نزول النصر الإلهي على المؤمنين المخلصين، لكن أين هي القاعدة والسنة وأين هي الحتمية؟ فإن في قوله تعالى:﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾، أو قوله تعالى:﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ كل الآيات التي ذكرناها تتحدث عن حتمية هذا النصر وسياقها وعد إلهي، فهل نفهم من مجموع الآيات أن أي جهاد توفرت فيه العناصر المذكورة ستكون نتيجته النصر الدنيوي، حتى لا نضطر إلى التأويل أو التوسعة في المفهوم كما حاول البعض أن يقول: إن المقصود هنا هو أعم من الفلاح الدنيوي أو الأخروي؟

بعد التتبع في الآيات الكثيرة التي تحدثت عن النصر وجدت موردين أشارا إلى وقوع هذه الحتمية بسياق جملة شرطية وهما:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

إذًا، ظهرت حتمية نزول النصر في حال نصرة الله، وهذا وعد لا يختلف ولا يتخلف ويبقى الكلام كيف نتحقق من أننا ننصر الله فيا ترى كل العناصر التي ذكرناها كافية أم أن هناك إشارة أوضح لطبيعة عنصر أو شرط؟ هنا أعود بكم إلى التوكل على الله ودرجاته فإنه في درجةٍ من الدرجات يستحيل أن لا يتحقق هذا النصر الإلهي، لأن في ذلك نصرةً واضحة وكاملة لله سبحانه ودققوا في الفرق بين الآيات السابقة التي ذكرت مطلب النصر، أفرغ علينا صبرًا وانصرنا على القوم الكافرين، ربِّ انصرني على القوم المفسدين، متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب.

هذا المستوى من الجهاد تلزمه ولاية حقيقية وكاملة لله سبحانه، والذي يصل إلى هذا المستوى هم الفئة التي ذكرها القرآن الكريم في سورة المائدة ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى