اراء

ما السر في (التلازم) بين ايران وقوى المقاومة؟

بقلم: محمود الهاشمي..
مع كل ذكر لفصيل مقاومة اسلامية بالمنطقة تلصق جملة (المدعوم من ايران)! لم تعترض ايران على هذه (الجملة) بل العكس تفخر بها، وترى ذلك من واجبها الشرعي، والقيمي .
من جهتهم فان قادة فصائل المقاومة لايترددون في التاكيد على ان ايران داعمة لهم، في الاعلام والمال والتدريب والتصنيع والتسليح والدبلوماسية .
الاعلام العربي ايضا اعتقد ان اعلان المقاومة الدائم بالاعتراف بالدعم الإيراني اشبه ب(المثلبة) فراح يطيل بالجمل ويقصرها حين يورد اسم المقاومة واحيانا يبدل المقاومة بـ(ميليشيات)!
ايران تسمي (المقاومة) في بعدها السياسي او العسكري بـ(العمق الاستراتيجي) للجمهورية الاسلامية، وتؤكد ان هذا (العمق) لن تتنازل عنه، مهما كان الثمن والتضحيات والصبر والتحمل .
يقول السيد القائد الخامنئي (أن الحضور الإقليمي يمنح إيران العمق الاستراتيجي والمزيد من القوة).
هذا النص اورده السيد الخامنئي في لقائه مع رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة في ايران، وان ايراد هذا النص جاء بسبب مطالبة الغرب بتنازل ايران عن دعمها للمقاومة مقابل امتيازات في الملف النووي ورفع العقوبات .
من جهتها فان فصائل المقاومة لن تقبل ان تغير من توجهاتها رغم الضغوط والاغراءات التي تقدم لها، لانها تدرك تماما ان اي تحول عن الدعم الايراني يعني فقدان بوصلة العمل والتلاشي مع الايام اسوة بالكثير من عناوين المقاومة السابقة الذين لم يتبق منهم سوى الاسم او مجرد (مكتب).!
ان واحدة من اهم اسباب استمرار انتصارات المقاومة الاسلامية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى يومنا، هذا هو ثبات موقف الجهة الداعمة (الجمهورية الاسلامية) حيث لم تغير من موقفها منذ ان انبثقت الثورة الاسلامية عام 1979 واعلان قائدها الامام الخميني (قدس) بالعبارة الصريحة الواضحة (لابد ان تمحى اسرائيل) متخذا مجموعة من الاجراءات في السيطرة على السفارة الاميركية وطرد السفارة الاسرائيلية وتحويلها الى سفارة لفلسطين .
ان هذا الثبات في الموقف جعل الدول وفصائل المقاومة وقوى التحرر بالعالم تثق بانتمائها لهذا الخط والذهاب معه بعيدا، في نفس الوقت فان هذا (العمق) ما انفك يمثل مصدر قوة للثورة الاسلامية وادامة وجودها وحضورها الدائم على كل الاصعدة، حتى بات من يفكر بالاذى لايران عليه ان يدرك انها تمتلك عمقا استراتيحيا في عموم منطقة غرب اسيا وصولا الى اميركا اللاتينية .!
إن هذا التلازم بين ايران وقوى المقاومة بات يشكل نواة لمشروع (قطبية جديدة) بالعالم وثقلا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، فمثلا لمرات عديدة عندما فكرت امريكا ان تعتدي على ايران وضعت في حساباتها ان عليها ان تحارب دولا عديدة وجبهات وليس دولة بعينها .
مثلما فكرت اسرائيل وغيرها ان تعتدي على المقاومة، لكنها تعلم انها ستكون ملزمة ان تواجه ايران بكل ماتملك من مصادر القوة .
(معركة طوفان الاقصى) الاخيرة التي انطلقت في السابع من اكتوبر للعام الجاري أشّرت تصاعد قوة الردع للمقاومة الاسلامية بالشكل الذي لم تعد فيه عمليات المقاومة مجرد (عملية فدائية) سريعة بل هي معركة ترقى الى مستوى بين دولتين، فقد مضى على المعركة (76) يوما ومازال اوارها متقدا، فيما يعجز الجيش الصهيوني ان يحقق نصرا على (المقاومة في غزة) رغم سعة امكانياته وتفوقه في العدد والعدة والتكنولوجيا .
لم يستطع العدو الصهيوني ان يتفرد بـ(غزة واهلها) فقد وجد لها عمقا يتمدد من لبنان الى سوريا فالعراق فاليمن حيث تحاصره صواريخهم وطائراتهم وتدك الابعد من اراضيه .
ان ادارة معركة (طوفان الاقصى) معقدة وتحتاج الى غرفة عمليات مشتركة وصرامة بالقرار سواء في قطاع غزة او بقية مناطق تحرك المقاومة، فليس من السهل ان تكون النيران المشاركة بهذا (الانضباط) العالي وان تكون ادارة الاعلام والتصريحات والمؤتمرات الصحفية بهذه المهنية .!
ليس هنالك من يشك بان جميع الاعلام العالمي وحتى العربي، ماانفك (يتهم) ايران بانها وراء هذه (المنازلة) وادارة المعركة وتوزيع (الادوار) كلا حسب مهمته الموكلة اليه، وحين تشعر القيادة في ايران ان امريكا تريد ان تتمدد اكثر للتدخل في
المعركة ترسل رسائلها الى امريكا وخاصة فيما يخص بوارجها الحربية .
لاحظْ ان جميع القمم العربية التي انعقدت بعد معركة طوفان الاقصى، لم تخرج بما ينفع لصالح القضية الفلسطينية ولالصالح المعركة بل بدت في حال من (الشده) دون اي قرار فاعل، فمثلا دولة مصر تقول (ان اسرائيل تمنع دخول المساعدات الى غزة عبر معبر رفح) رغم ان إحصائيات موقع “غلوبال فاير بور” يؤكد على ان مصر تتقدم دول المنطقة بالجيش والتسليح والانفاق العسكري، والسعودية تحمل امريكا مسؤولية الفيتو ضد قرار وقف اطلاق النار وعدم الضغط على إسرائيل فيما تمتلك أكبر ميزانية تسليح في الشرق الأوسط وهي 56 مليار، اما الاردن فانها تكرر تعاطفها مع (اهالي غزة) نتيجة ضغط الشارع الاردني، وقطر (طبّابة خير) لاغير

وباقي الدول العربية بين مطبع ومتخاذل واخر يرى في التظاهر تفريغا لشحنات الدعم .
قد يبدو (الموقف) صعبا في غزة، حيث الموت والقتل والهدم والترويع والتجويع ليصل عدد الشهداء من الضحايا (20) الف (حتى اليوم ال72) معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ والمرضى، وحيث نقص المؤونة وغيرها، لكن سياق المعركة يؤكد ان المقاومة تصعد من ضرباتها وتزيد من عدد قتلى العدو ومازالت تدخر الكثير .
امام المقاومة في غزة امران، اما الرضوخ والاستسلام وبذا (تنتكس القضية الفلسطينية) كما شهدت من قبل سلسلة الانتكاسات ونبدأ (نحن العرب) بجلد ذاتنا -وكم نحسن ذلك- او الاستمرار بالمعركة ورفع منسوب القتال وايقاع الخسائر بالعدو، متحملين المَ الخسائر بالمدنيين من ابناء غزة والضفة الغربية .
المعادلة (صعبة) وتحتاج الى ادارة ببصيرة عالية ايضا، بين ان تواصل الحرب وانت محاصر من جميع الجهات سوى التخندق وادارة المعركة داخل الخنادق، وبين جموع الضحايا من حولك وهم بين مقتول وجريح ومريض ونازح وجائع .
اذن هناك (غرفة عمليات مشتركة) تدير ملف المعركة في بعدها العسكري والسياسي والاعلامي والاقتصادي ..
قد تكون (حماس) اجتهدت في معركة (طوفان الاقصى) دون تنسيق مع بقية الفصائل، ولامع الدولة (الراعية للمقاومة) وقد يكون (هذا الاجتهاد) قد عجل في معركة من المخطط لها ان تُخاض في وقت اخر، كما كان قد اكد ذلك السيد حسن نصر الله في الشهر الثالث من العام الجاري بالقول (لقد اكملنا الاستعدادات الى المنازلة الكبرى)، لكن (ادارة المعركة) دخلت الى الميدان، ومازالت تدير المعركة وحيثياتها بكل مهارة ودون التنازل عن اي حق من حقوق الشعب الفلسطيني وكما اوضح السيد وزير خارجية ايران عبد اللهيان (اهدافنا تحرير ارض فلسطين من البحر الى النهر) اي وليس كما يروج العرب بالرضا بحدود عام 1967. المعركة مستمرة، ولابد من النظر الى فن ادارتها وعمقها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى