“الرحلة العجيبة للسيد ميم”.. واقع الحياة العراقية المليء بالحروب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان قصص مجموعة القاص محمد علوان جبر المعنونة “الرحلة العجيبة للسيد ميم” هي قصص من واقع الحياة العراقية المليء بالحروب، وقد مزجها الكاتب بنوع من الخيال.
وقال جويعد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: قد تكون تجارب الحياة والخبرات والمعلومات المكتسبة منها ومن المطالعة لكبريات الروايات والقصص العالمية، ومتابعة حركة تطور فن صناعة السينما التي جاء ذكرها مستهلاً للمجموعة القصصية (الرحلة العجيبة للسيد “ميم”) للقاص محمد علوان جبر، في إشارة مهمة لمدى الفائدة المكتسبة من خلال مشاهدته للأفلام التي كانت تعرض في صالات السينما في البلد التي كان القاص متابعاً نهماً لمشاهدة تلك الافلام فيها، وكل قاعة من تلك القاعات السينمائية كان لها نهج خاص في عرض الافلام، اكسبته خبرة مضافة في فن صناعة القصة القصيرة، وانعكس ذلك على تطور أسلوبه في عملية إعداد النص القصصي”.
وأضاف: إن “القاص ومن خلال تجربته في الحروب كواحد من الجنود الذين اشتركوا فيها وخاضوا غمار عالمها الموحش، حيث شبح الموت والخوف والنيران المشتعلة واصوات الانفجارات والحرمان الغريب، الذي كان يشكل هاجس قلق وحزناً لدى المقاتل الذي كان يشتاق الى الاهل والحبيبة والاصدقاء والمحلة والناس وحياة الترف، انتقل كل هذا إلى واقع لا إنساني وقاسٍ وظالم، فشكل مساراً آخر من مسارات التجارب التي تصب في تطوير أدوات السرد وعناصره، حيث انضمت كل هذه التجارب، لتكون السياق الفني الذي يتبعه القاص في إعداد النص”.
وأوضح: ان “لغة السرد في هذه النصوص مركبة بين أكثر من عنصر من العناصر التي تدخل ضمن الرؤية الفنية لهذه اللغة التي تعد من أهم الأدوات التي تسهم في إنضاجه، وهي خليط من الواقع والخيال والمؤثرات النفسية التي هي حصيلة التجارب الحياتية المكتسبة لتنتقل الى الواقعية السحرية في اللغة بحد ذاتها، ثم الى النص بشكل شامل، ليصل النص السردي القصصي إلى المتلقي بلون آخر مختلف بسبب هذا التشكيل وهذا التكوين الذي يظهر فيه الجهد الفني بشكل جلي، وبهذا فإننا نتابع مبنى النص، وقد توحدت أدوات السرد وانصهرت واتحدت، لينبثق منها الإيقاع والانسيابية ليشكّل ويكّون هذا التناغم والتوحد الذي ينفرد فيه القاص عن اقرانه من صناع القصة القصيرة، وهكذا نكون مع العالم الساحر الذي لا يمكن أن يصل الى مرحلة النضوج تلك إلا بتوفر الأدوات سالفة الذكر”.
وتابع: “في القصة القصيرة (تدرّجات لونية) ننتقل مع بطل هذا النص وهو يدخل صالة لعيادة أحد الاطباء، ولأن حالة الانتظار في تلك الصالة تثير فيه الملل والضجر فأنه يمارس لعبته الأثيرة، في عملية الاستكشاف وتفحص وجوه ومعالم الشخوص الذين يجلسون في الصالة بانتظار دورهم، فيتفحص المرأة التي أمامه ويقدر عمرها بخمسة واربعين عاما، ثم يعود الى عشر سنوات مضت ليكتشف كيف كانت في ذلك الوقت، ويحاول قدر الامكان ان يخرج بنتيجة هل انها درست في الجامعة:
(إذاً سأمضي قدماً نحو عشرة أعوام أخرى حيث الحرب الطويلة قائمة مع جارتنا المثيرة للجدل، يومها كان عمرها خمسة عشر عاماً، والحرب تنفث روائحها وهوسها وتفاصيلها الغريبة على الجميع وهيمنة صور التوابيت المشدودة على سطوح سيارات “الكراون” الملونة بالأبيض والبرتقالي والجثث التي تعود بيوتها وهي ملفوفة برايات الوطن) ص 15″.
وبين: “نجد مدى ارتباط بنية العنونة بمتن النص كون تلك التدرجات اللونية هي إشارات سيميائية لما يعني كل لون في تلك الحقبة، مثل ألوان العلم وألوان السيارات الى غيرها من الألوان التي درجت في هذا النص بالضربة المفاجئة التي يستخدمها القاص في كل نص من هذه النصوص، إذ إن تلك المرأة تنظر اليه وتعلوها ابتسامة وكأنها تؤكد بكونها تمارس نفس عملية الاستكشاف الذي كان يمارسه بطل هذا النص”.
وأكمل: “في القصة القصيرة (لم يعد يعرف أحد) في هذا النص ننتقل الى حالة فقدان الذاكرة لبطل هذا النص، الذي يرقد في احدى المستشفيات وسيدة أمامه تناديه باسم فوزي إلا انه يقول لها: انا اسمي محمد، وتدور الاحداث الغريبة ليكون المتلقي وقد عاش حالة فقدان الذاكرة مع بطل هذا النص، وقد انتهى النص ومازال لا يتذكر شيئاً:
(هز الطبيب رأسه ثم أمسك بيد المرأة وأدارا ظهريهما لي.. بقيت جامداً في السرير أطالع السقف بصمت وأنا أسمع وقع خطواتها القوية السريعة، على أرضية الموزائيك الملون، مستعيداً دفء جسدها ورائحتها التي هيمنت تماماً على حواسي) ص 28″.
وبيّن: “في القصة القصيرة (الرحلة العجيبة للسيد “ميم”) نكون مع أحداث متداخلة ورحلة سردية تمتاز بالغرائبية، إذ إن بطل هذا النص يعين بدائرة للقضاء كانت سابقاً سجناً هو أحد نزلائه، ونبقى مع التداعيات والذكريات والتخيلات التي امتازت بنضجها”.
وختم: ان “المجموعة القصصية (الرحلة العجيبة للسيد “ميم”) للقاص محمد علوان جبر، تتكون من ثلاثة عشر نصاً، قدمت برؤية فنية جديدة تؤكد بأن القاص متابع لحركة تطور السرد وحركة تطور الفن، إضافة الى الخبرات المكتسبة وتأثير الحروب التي عاش غمارها، وبنسق فني مركب”.



