اخر الأخباراوراق المراقب

أم سلمة وقصة القارورة

التحفت بالصبر، ولاكت ذكرياتها على غصص السنين وهي تتأمل أن ينجلي هذا الليل الذي غلف النفوس والقلوب بسحب الضلال، إنه ليل الجاهلية الذي عاد مرة أخرى بأقنعة أموية، الشمس حجبتها السقيفة، وإشراقة الوحي وأدَتْها الشورى، ومعاوية نفخ في اللات والعزى روح الكفر فاستيقظا من سباتهما على قرع طبول صفين، وما إن أدّت الرماح غايتها حتى وُئدِت المصاحف، وها هو يزيد يصقل أسياف (أشياخه) عتبة وشيبة والوليد ليعدل ميل بدر كما يدَّعي !.

لم تنس السيدة أم سلمة القارورة التي لازالت تحتفظ بها رغم مضي أكثر من خمسين سنة على وجودها في بيتها، فلا يزال صدى ذلك اليوم محفوراً في ذاكرتها، نصف قرن مضى وهي تتمنى ألا يأتي هذا اليوم الذي أوعدها به زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نصف قرن مضى كانت تتمنى الموت ولا تشهد ذلك اليوم، ولكنها الآن حية ترزق، لقد كُتب عليها أن تكون آخر من يبقى من أمهات المؤمنين وتشهد مقتل الآلاف من أبنائها الصالحين.

كُتب عليها أن تبقى لتسمع بالنكبات والحروب والجرائم الأموية في هذا العهد الأسود الذي جرت فيه من دماء المسلمين ما لا يحصى عدده، وغاب مثلهم في غياهب السجون ولم يعرف خبرهم، وقتل فيه كثير من الصحابة والصالحين بطرق وأساليب شتى ولا يزال أفراد الشجرة الخبيثة يعتلون منبر رسول الله ويمارسون حكم الجاهلية وسياسة الإرهاب والقتل والتجويع والتشريد وعاثوا في الأرض فساداً وأهلكوا الحرث والنسل..

كانت تجهش بالبكاء وتتمنى الموت قبل أن تشهد اليوم الذي تفقد فيه من بقيَ من نسل الرسول وأحب أولادها المؤمنين إلى قلبها، كان قلبها يخفق بشدة وهي تنظر إلى القارورة كل يوم منذ أن ودعها الحسين (عليه السلام) وخرج إلى العراق ثم تغمض عينيها وتحمد الله أن القارورة لم يتغيّر لونها ولم تتحوّل إلى (دم عبيط).

تنتظر موعد الصلاة وهي تسترجع مشاهد تلك الليلة التي أرَّقت عمرها ولا تزال تستذكر كل تفاصيلها وكأنها في حلم تحاول أن تستوعبه.

لا تزال تذكر أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب عندما دخلت على رسول الله وهي وجلة مذعورة وتقول: يا رسول اللّه إني رأيت حلماً منكراً الليلة، فقال : وما هو ؟ قالت: إنه شديد وما هو؟ رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، ولكن رسول الله طمأنها بأن هذا الحلم هو بشارة بمولود فقال لها: رأيتِ خيراً، تلدُ فـاطمة ــ إن شاء اللّه ــ غلاماً فيكون في حجرك.

لم تكن أم سلمة تعلم أن وراء هذه البشارة مأساة سيكون لها أثر عميق في حياتها، فاستبشرت وفرحت بالمولود الذي ستنجبه حبيبة المصطفى وبقيت تنتظر وتمضي الأيام ويأتي المولود الجديد وتضعه أم الفضل في حجرها كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ثم تأتي به إلى رسول الله لتضعه في حجره.

يفرح (صلى الله عليه وآله) بهذا المولود كثيراً، ولما رأت أم سلمة ذلك فرحت لفرحه ولكن فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان !! لم تتوقع أم سلمة ما حدث لرسول الله وذهلت، لقد رأت رسول الله يبكي والدموع تسيل على وجهه الشريف !وَجِل قلبها لبكائه وهي تحاول أن تهدئ من روعها وقالت له: يا نبي اللّه..، بأبي أنت وأمي، مالك؟ فقال: أتاني جبرئيل (عليه السلام) فأخبرني إن أمتي ستقتل ابني هذا بعدي في أرض بشاطئ الفرات يقال لها كربلاء.

نزل الخبر عليها كالصاعقة فقالت في دهشة كبيرة: هذا ؟!! نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء؟ من يقتله يا رسول اللّه ؟ رجل يقال له يزيد، لا بارك اللّه في نفسه، وكأني أنظر إلى منصرفه ومدفنه بها، وقد أهدي رأسه، واللّه ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلا خالف اللّه بين قلبه ولسانه ــ يعني ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة وفتح رسول الله يده فإذا فيها تربة فقدمها لأم سلمة التي وقفت مدهوشة وهي تتناولها من يده الشريفة ونظرت إليها جيداً وتأملتها..

لم تشأ أن تسأله قبل أن يكشف لها سر هذه التربة احتراماً له وهيبة منه وكأن رسول الله لاحظ دهشتها وعلم ما في قلبها فلم تنتظر أم سلمة طويلاً حتى قال لها: يا أم سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي إن ابني قد قتل وَجِمت أم سلمة لما سمعت، ولم تستطع الكلام، لكن رسول الله شمَّ التربة وتابع حديثه: هذه التربة هي وديعة عندك..، ويح كرب وبلاء..

ارتعدت أم سلمة لهذا الخبر..، فهي تعلم وتؤمن أن النبي قوله حق وصدق ولا يتكلم بغير الحق، فوضعت التربة في قارورة فكانت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يوماً تتحولين دماً ليوم عظيم.

خبّأت أم سلمة القارورة في بيتها ومضت الأيام والشهور والسنين، ومات رسول الله، ولحقته فاطمة، ثم علي، ثم الحسن، كان قلبها ينصدعُ صدعاً جديداً بموت كل واحد منهم ،ويأتي اليوم الذي جاء فيه الحسين ليودعها في سفره إلى العراق، شعرت بأن قلبها لم يبق به موضع لصدعٍ آخر، وما إن ودع الحسين (عليه السلام) أم سلمة ومضى حتى أحسّت بأن الموت يغزو قلبها. تذكرت القارورة فأخرجتها ووضعتها في متناول يدها، وكانت تنظر إليها كل يوم وقلبها يخفق بشدة، وكلما رأتها على حالها تحمد الله وتشكره في قلبها وتهمس مع نفسها: الحمد لله لا زال ولدي وحبيبي وقرة عيني حياً.. وتبتسم وهي تنظر إلى القارورة التي لا تزال تراباً..

لكنها سرعان ما يخفق قلبها وينقبض حالما تتذكر نبوءة زوجها العظيم بأن هذه القارورة ستمتلئ في يوم من الأيام دماً وإن هذا اليوم قد صار وشيكاً.. فتتقاطر دموعها على خديها بصمت، لقد طرقت النوائب والمآسي قلبها، وتحمّلت الشدائد في سبيل الدعوة الشريفة، وأول مصاب نزل عليها كان استشهاد زوجها أبي سلمة الذي فاضت روحه بين يديها من أثر جرحه، فوجدت من يواسيها في محنتها ويخفف عنها كربتها ويعزيها عن مصيبتها، حيث تزوجها رسول الله الذي حفظ أبا سلمة في ذريته، ولكن الجرح الذي اندمل سرعان ما انفتق بوفاة رسول الله.

ورغم كل هذه المعاناة التي عاشتها فقد كانت تجد في آل النبي سلوة لها فكانت ترى رسول الله فيهم، ولكن القدر كتب على هذه المرأة المؤمنة ألا ترى في حياتها سوى الحزن وكأن الله يريد أن يضاعف لها الثواب والأجر على صبرها وتحملها بعد أن توالت الفجائع على قلبها، ويحل شهر محرم وهي تنظر إلى القارورة كل يوم وقلبها يتوجّس خيفة ويخفق أكثر يوماً بعد يوم، وفي اليوم العاشر رأت ما وعدها رسول الله”ص”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى