اراء

لن يكون هناك نصر.. كفاكم تعامياً وغطرسةً

بقلم: محمد هلسة..

أعرف تماماً أنه يصعب أن تقنع شعباً يؤمن بأنه متفوّق منذ الولادة، وأن حياته أثمن من حياة الآخرين، وأن موته مختلف عن موتهم، وأن الشعوب الأخرى أقل شأناً منه، فيجيز لنفسه غزوها أو استعبادها أو ترحيلها أو إبادتها، بأنه مخطئ.

والأصعب أن يقتنع هؤلاء بأن الإله، الذي ينكر غالبيتهم وجوده، لم يصطفهم ولم يمنحهم أرضاً ليعمروها ويقيموا رسالته فيها، فهذه أفكار متجذرة في الحمض النووي الإسرائيلي، ولا يمكننا بحال فهم سلوك المجتمع الإسرائيلي ومنطقه بمعزلٍ عنها.

ولعل تهليلكم فيما طيّاروكم يمطرون غزة بحمم النار، فيحرقون أطفالها وهم أحياء، وهتافكم في هذه الحرب: “امسحوا غزة، وساووها بالأرض، فلا أبرياء هناك”، هو أقذع تعبير عن عمق تأصل هذه النظرة العنصرية الاستعلائية في وعيكم.

ولو أن الأمر وقف عند حدود خزعبلات الاعتقاد الصرف بها، لقلنا إن الأيام ربما تساهم في تخفيف وقعها وأثرها في سلوككم، وخصوصاً وأنتم ترددون، ودون توقف، أنكم امتداد العالم “الغربي المتحضّر” وصورته، لكن تَعهد هذا الغرب المستعمر بكم وتغطيته المستمرة لكم وستره الدائم عوراتكم في كل المحافل وابتلاء الشعوب العربية بأنظمة عربية رسمية متساوقة ومنبطحة ساهم بشكل كبير في تعميق هذا العمى، وفي نفخ عقدة الشعور بالتفوق والاصطفاء لديكم، حتى بتّم تعتقدون، بطريقة ساذجة متعجرفة، أنه يمكن إقناع الفلسطينيين بأن لا يعارضوا بالقوة الطموح الصهيوني لتحويل أرضهم من أرض عربية إلى أرض يهودية، وأن عليهم “أن يحمدوا الله على إبقائكم إياهم فيها”.

إن أوهامكم التي نسجتموها، منذ عهد الصهيوني جابتونسكي صاحب “الجدار الحديدي”، والتي تقول إن مصالحة العرب الفلسطينيين بالتوازي مع السعي للهدف الأسمى للصهيونية المتمثل بخلق أغلبية يهودية في أرض فلسطين، يمكن تحقيقهما عندما يدرك “السكان الأصليون” أنهم لا يستطيعون إحباط تحقيق هذا الهدف، وأن استمرار الاستيطان الصهيوني تحت رعاية قوة أجنبية وبمساعدة القوة العسكرية اليهودية يعتبر ضمانةً لتحقيق هذه الأهداف، يضاف إليها اعتقادكم بأنه بمجرد أن يتضح “لعرب البلاد” أنه لم يبقَ صدع في “جداركم الحديدي”، فسيكون من الممكن “إخضاعهم وإجلاسهم صاغرين إلى طاولة المفاوضات والسعي للتوصل معهم إلى تسوية ما، وسيقدمون تنازلاتهم”.

يمكنكم، من منظور تاريخي، الافتراض أنَّ مسار “الجدار الحديدي” ربما أثبت أنه ليس سيئاً بالنسبة إليكم، وخصوصاً مع اعتراف “بعضنا” بوجود “إسرائيل”، واستعداد “بعضنا” الآخر لإقامة علاقات تطبيع وتعاون معها. ومع ذلك، هناك صورة نمطية ثابتة ظلت سائدة وراسخة طوال سنوات احتلالكم الماضية، ولم يكن من الممكن لكم تجميلها أو محوها من ذاكرة الفلسطينيين والعرب، والعالم أيضاً، والمتمثلة بطبيعتكم الاستعمارية العدوانية.

ومع أن لديكم العديد من المؤيدين في الغرب الذين يرون فيكم انعكاس صورتهم، لكن من الصعب للغاية تجاهل المواقف المناهضة لـ”إسرائيل” في العالم، فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فصور الإرهاب والقتل والوحشية التي تمارسونها تمنح العالم أسباب وأدوات استعدائكم الدائم، وتضطركم إلى البقاء ملاحقين مطاردين أينما حللتم وفعلتم، فالعالم مستعد بسهولة لتقبل صورتكم بوصفها عدوانية وقمعية مهما حاولتم تجميلها.

لكن كل هذا لا يمكن أن يفسّر سوى جزء يسير من القصة الكاملة، فكما كتب ماتي فريدمان، المراسل السابق لوكالة “أسوشيتد برس” في القدس: “إن الاعتقاد بأن يهود إسرائيل، إلى حد ما، هم رمز لشرور العالم، أصبح موقفاً مقبولاً لدى كثير من شعوب العالم”.

وبينما نسجتم مع داعميكم وأمثالكم من رعاة الاستعمار والقتل في العالم الغربي قصصاً وفبركات خيالية لما حدث في 7 تشرين الأول، وأسبغتم على الفلسطينيين ما تعجز “معاجم الشيطنة والشر” عن تقبله واحتماله، وتأملتم أن يقتنع العالم أجمع بأن العدالة تقف إلى جانبكم، فقد فاتكم أن عليكم أن تقبلوا الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، بأنكم لن تفوزوا في المعركة على السرد “ولو أتيتم بمداد الأرض كذباً”، فلا يمكن أن يقتنع العالم بِخِلاف ما جبلتم عليه من رجس، ولو “اغتسلتم سبع مرات إحداهن بالتراب”.

وبينما تستمر المعركة من أجل السرد في الوقت الذي تستمر هجماتكم المميتة على غزة، لا ينبغي لكم أن تخدعوا أنفسكم بأنَّ من الممكن إقناع العالم بدعم “إسرائيل”، وأولئك الذين فعلوا ذلك على مر السنين لاعتبارات مصالحهم المرتبطة بكم، سوف يستمرون في القيام بذلك، لكن هذه حرب لا يمكن لـ”إسرائيل” أن تفوز بها.

لقد كان الاتجاه السائد في معظم أنحاء العالم لفترة طويلة، ومازال، هو إلقاء اللوم على الصهاينة في كل الويلات التي حدثت في فلسطين، ولن يغير ذلك أي شيء يحدث، والمعركة على السرد هي الحرب التي لا تستطيع “إسرائيل” أن تفوز بها. وفي الواقع، هذه الحرب خسرتها “إسرائيل” منذ أجيال مضت.

كان حرياً بكم أن تستوعبوا عمق التناقض بين هذه التصورات المتعجرفة “النرجسية” التي روّجتموها خلال سنوات طوال من عمر “دولتكم”، ومنطق الواقع الفاضح الذي يكشف عورتكم.

لقد ساهمتم بمنطقكم وبأيديكم في هدم “الجدار الحديدي” في الوعي الفلسطيني، وكان هذا بلا شك أبرز ما أنجزتموه، ففكرة التخلص من “الصهاينة” وشرّهم باتت، من بين أمور أخرى، وبفضل غطرستكم أمراً عملياً غير بعيد المنال.

أما “النصر”، فلن يحدث هذه المرة أيضاً. نعم، سيكون هناك سحق وتمزيق وهدم وانتقام، كما اعتدتم أن تفعلوا، لتهربوا من استحقاق النظر في عيون بعضكم البعض والاعتراف بالحقيقة دون مواربة، نعم لن يكون هناك نصر، لأنه يبدو أنه قد قدر لكم، أو ربما حكمتم على أنفسكم، أن تعيشوا العام والشهر واليوم نفسه، مراراً وتكراراً ولن تتعلموا.

كم مرة قلتم لقد “ضربنا” الفلسطينيين “وألحقنا بهم هزيمة ساحقة” كم مرة تباهيتم بالنصر؟! ومع ذلك تستيقظون في اليوم التالي، مرة تلو الأخرى، وأنتم عالقون في متاهة من الحماقة العمياء التي لا تودون الخروج منها.

ومن باب الانحياز المطلق إلى سردية الأخيار، ربما يمكنكم أن تحتفلوا بالتعافي لا النصر، شرط أن يتحقق تحرران؛ أن تتحرروا من أوهام التعامي والغطرسة، وأن يتحرر الشعب الفلسطيني من احتلاكم وينال حريته وكرامته. عندها فقط، ربما يمكنكم أن تحصلوا على طعم الحياة والهواء الذي تتنفسونه، وبالتأكيد بعيداً من أرضٍ لم يسلم “الرب” من افترائكم بأنه منحها لكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى