اراء

طوفان الأقصى تُدخل الاحتلال الأمريكي أخطر مراحله في سوريا

بقلم: جو غانم..

مع حماسة كبيرة وترقّب غير مسبوق، انتظر السوريون في الداخل خطاب الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، لخمسة أيّام بدت كأنها دهر كامل، وذلك منذ إعلان موعد الخطاب، حتى لحظة إطلالة السيد.

في حالة السوريين بصورة خاصة، ثمّة ما هو مغاير هنا، وما يميّزهم ويميّز انتظارهم وترقّبهم عن سائر المتأهّبين وعن مئات الملايين من الحشود الشاخصة حول العالم، وتحديداً تلك التي لا تنتمي إلى شعوب محور المقاومة.

فسوريا هي ساحة حربٍ متواصلة منذ أكثر من 12 عاماً، تواجه أدوات العدوان ذاتها التي تفتك بأهل غزّة وفلسطين الآن ودائماً. ومن جهة موازية، فإنّ هذا السيد ذاته كان ولا يزال أحد أبرز قادة الصراع ضد المحتلين وأدواتهم في سوريا خلال هذه الحرب، وإنّ رجاله وأبناءه هم إخوة الدم ورفاق الألم والنصر على امتداد جبهات القتال، من أجل حماية البلاد والمنطقة كلها ونجاتها من المشاريع المدمّرة المعادية، والتي تبدأ وتنتهي عند فلسطين، والسوريون يدركون ذلك أكثر من غيرهم.

لكن الأكثر تمييزاً والأبرز من هذا كله في هذا الظرف الفارق تحديداً، هو أنّ سوريا ـ كما جنوبيّ لبنان ـ تحوّلت منذ يوم الأحد 8 تشرين الأول، أي بعد ساعات فقط على العملية البطوليّة التي أقدمت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزّة، إلى جبهةٍ من جبهات معركة “طوفان الأقصى”، وساحةٍ من ساحات العدوان على فلسطين وعلى قوى المقاومة وشعوبها.

فالعمليات ضد المواقع والقواعد للاحتلال الأمريكي الداعم والراعي للعدوان الصهيوني، لم تتوقف على الأرض السورية ليوم واحد منذ ذلك التاريخ. ومن جهة مقابلة، تصاعدت اعتداءات سلاح جوّ العدو الصهيوني على الأراضي السوريّة بصورة لافتة، بالتزامن مع العدوان على غزّة، بكلّ ما يعنيه الأمران من حقيقة الارتباط التام بين جبهات المعركة الواحدة، بالنسبة إلى قوى المقاومة، كما بالنسبة إلى الأعداء. من هنا، كان انتظار ما سيُعلنه السيد نصر الله، بالنسبة إلى السوريين، أشبه ما يكون تماماً، بانتظار البيان رقم واحد من المتحدث الرسميّ باسم قوى المقاومة جميعها في المنطقة، ومنها سوريا، بكلّ ما ينطوي عليه الأمر من احتمالات متوقّعة، كلّها تخصّ السوريين بصورة مباشرة.

جاء خطاب السيد نصر الله ملبّياً للتطلّعات والتوقّعات للشريحة الأوسع من المراقبين السوريين، فهم، بحكم أمر الحرب الواقع الذي جعلهم على تماس مباشر مع مواقف السيد وخطاباته ولغته وحكمته طوال أعوام الهجوم الاستعماريّ على سوريا، باتوا يدركون أنّ ردود الأفعال الانفعاليّة وغير المحسوبة، غير واردة أبداً في القاموس العملي لهذه المقاومة وقادتها ومحورها، بصورة عامة.

وهم، كما ذكر السيد تماماً، يشهدون تطوّر عمليات المقاومة وتصاعدها على أرضهم أوّلاً، ويتابعون أخبارها لحظة بلحظة في لبنان والعراق واليمن، ويفهمون جيّداً مسألة “مراكمة النقاط” في هذه الحرب الطويلة مع أعداء مدجّجين بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً. وهم كانوا شهداءً على هذا الأمر ذاته طوال تجربتهم خلال “عشرية النار” المريرة، كما يعرفون أنّ خيار تحويل المعركة إلى حرب شاملة هو أمر مرتبط بحسابات المقاومة في فلسطين والمنطقة، وباعتبارات وأحداث وتطورات ومواقيت يُحددها قادة هذه المقاومة.

وبالتالي، فإنّ الحكمة الفذّة، التي جعلت خطاب السيد نصر الله، خطاباً تاريخيّاً بالنسبة إلى السوريين وغيرهم، هو أنّ السيّد قال فيه كل ما يمكن أنْ يُقال في مثل هذه اللحظة المهمة والفاصلة من الصراع مع العدو الإسرائيلي وحماته الغربيين وسواهم، بوضوحٍ شديد وتام. وفي المقابل، لم يقل فيه أي شيء يُمكن لقادة جبهة الأعداء، وخصوصاً الأمريكيين والإسرائيليين منهم، أنْ ينطلقوا منه لفهم ما تُخطّط له حقّاً وما قد تُقدم جبهة المقاومة على فعله حتى بعد ساعة واحدة من انتهاء الخطاب، على الرغم من كل ذاك الوضوح الذي تميّز به حديث السيّد.

وإذا كان السيد نصر الله حدّد في خطابه المواقف والمسؤوليات حيال فلسطين وأهلها ومقاومتها في غزّة، وأمام العدوان المتواصل الآن، فإنّ الترجمة العملية لكلامه المتعلّق بعمليات المقاومة الجارية يوميّاً في الجنوب اللبناني وشماليّ فلسطين المحتلة، وسوريا والعراق، وانطلاقاً من اليمن، والذي اختصره بجمله “لن نكتفي بذلك”، كانت تجري ولا تزال، بصورة ملموسة ومتزايدة في كل تلك الجبهات، قبل الخطاب وفي أثنائه وما بعده. والأمريكيّ، إذ يُعلن بعد شهر كامل من بدء العدوان الهمجي الذي يشارك فيه بصورة مباشرة ومؤثّرة، ويتكبّد خسائر في الأرواح هناك عند حدود القطاع، عبر مصادر رسمية في البنتاغون، فإنّ قواعده العسكرية في سوريا والعراق تعرّضت لـ 38 هجوماً خلال الأيام الـ 15 الأخيرة فقط، وأنّ 45 جنديّاً أمريكيّاً أُصيبوا في تلك الهجمات، فهو يعترف بأنّ الواقع الميداني في المنطقة بدأ يتغيّر بصورة متسارعة وضاغطة جدّاً بعد عملية “طوفان الأقصى”، وأنّ عمليات الإبادة التي يدعمها في غزّة، والتي لم، ولن تُحقّق نتيجة سياسية جيدة واحدة، له ولوكيله الإسرائيليّ، أنتجت ضغطاً مباشراً وهائلاً على وجوده العسكري في عموم المنطقة.

ولعلّ تقاطر الأساطيل الأمريكية، ومعها بعض السفن العسكرية الغربية الحليفة، إلى عرض المتوسط وشواطئه، تُعبّر بصورة فاقعة عن هذا “القلق الاستعماري” الكبير على الوجود في هذه المنطقة، وهو قلق حقيقي قد يدفع واشنطن ذاتها إلى المخاطرة بتوسيع دائرة المعارك لتشمل الإقليم كله. ولا مبالغة في القول إنّ عبقرية هذه المقاومة، التي جاء محتوى خطاب السيد نصر الله أفضلَ وثيقةٍ للتعبير السياسيّ عنها، قد تجرّ واشنطن وكيان الاحتلال إلى معركة مصيرية حاسمة في المنطقة كلها، تماماً مثلما يُجرّ الوحش إلى فخٍّ مُحكم.

في الميدان، تُظهر خريطة الاستهدافات التي قامت بها فصائل المقاومة في سوريا والعراق، أنّ أغلبية القواعد والنقاط، التي تشغلها قوات الاحتلال الأمريكيّ في الشرق السوري والبادية، تعرّضت للقصف بصواريخ المقاومة أو للهجوم بالطائرات المسيّرة، منذ منتصف شهر تشرين الأول الفائت، حتى الخامس من هذا الشهر، تشرين الثاني. ففي 19 تشرين الأول جرى استهداف قاعدة “التنف” الواقعة على الحدود السوية – العراقية، وهي القاعدة الرئيسة والأكبر، وقاعدة “كونوكو” الواقعة شمالي مدينة دير الزور، بثلاث طائرات مسيّرة. وفي 23 تشرين الأول، جرى استهداف قواعد: “حقل العمر” و”الشدّادي” و”التنف” و”الركبان” و”المالكية” بطائرات مسيّرة أيضاً. وفي 25 تشرين الأول استُهدف قاعدة ومطار “أبو حجر – خراب الجير”، الواقعان شمالي شرقي البلاد، بعدد من الصواريخ. وفي 26 منه، استُهدفت قاعدة “الشدّادي” بالصواريخ. وفي 28 منه استُهدفت قاعدة “التنف” بواسطة طائرتين مسيّرتين.

وفي 29 منه جرى الهجوم على قاعدة “الشدّادي” بطائرتين مسيّرتين أيضاً. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، دوّت انفجارات عنيفة داخل قاعدة “حقل العمر” بالتزامن مع انفجارات في قاعدة “الشدّادي” بعد استهدافين متزامنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى