اخر الأخبار

من الماضي القريب ثلاثة عوامل رئيسة ساهمت في تفشي المجاعة في الموصل زمن العثمانيين

10

قانون المبيعات العثمانية
وكان يجري تطبيق هذا القانون في الارياف اذ يؤخذ من المزارعين مقدار (1/10 العشر) من الناتج الكلي لغرض تمويل قطعات الجيش العثماني ، اذ كانت رسوم العشور تطبق بطريقة المزايدة العلنية ، للراغبين القيام بتنفيذ هذه المهمة ، كانت تهيىء التموينات الغذائية لصالح السلطات العثمانية وقد شهد موسم الانتاج الزراعي لعام 1917 انحسارا او نقصا في واردات الانتاج من الحبوب ، بسبب هجمات الجراد على المناطق الزراعية وانخفاض التموينات المعدة لتموين الجيش العثماني عام 1918 ، ولذلك اصدرت السلطات العثمانية قانون المبيعات والذي نص على استحصال (1/10 عشر) اضافي من واردات الزروع الى جانب استحصال العشر الرسمي المنصوص عليه في القانون مما الحق خسائر فادحة بالمزارعين ، وادى الى هجر مزروعاتهم ، والاقتصار على ما يسد حاجاتهم من المواد الغذائية المخزونة في بيوتاتهم ، ومن هنا ظهرت بوادر المجاعة في مدينة الموصل .
ضرائب التكاليف الحربية
وكانت هذه الضرائب تستحصل على نوعين اما ان تؤخذ من اهالي الموصل عينية او نقدية ، وتختلف مقاديرها باختلاف البضائع والعقارات وانواع الحرف والمهن ، وظهر الاحتكار جليا في تجارة المدينة ، وخصوصا ما بين المضاربين والمستغلين من المحتكرين بالتواطؤ مع المسؤولين الاداريين العثمانيين ، مما ادى الى تركيز الثروة في أيدي هؤلاء على حساب الغالبية من اهالي الموصل ، وفقدان السيولة النقدية وضعف القدرة الشرائية لدى معظمهم .
. توافد الهجرات على الموصل
هاجر الى ولاية الموصل اعداد كبيرة من الارمن والاكراد من بلاد الاناضول ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، وتزامنت هجرتهم مع انتشار المجاعة في المناطق الواقعة في شمالي مدينة الموصل ، اذ قدر عدد المهاجرين الارمن ممن دخلوا قصبة الموصل ما يقارب ثمانية آلاف نسمة ، وكانوا يعانون من الجوع وشظف العيش ، وقدموا مدينة الموصل بحثا عن لقمة العيش ، اذ كان الجوع يطاردهم اينما حلوا ناهيك عن هجرة اعداد كبيرة من الاكراد وتوافدهم الى الموصل حيث بلغ عددهم تقريبا (70.000) شخص ابان سنوات الحرب العالمية الاولى .
وقد وصف احد شهود عيان الصورة المأساوية للمجاعة آنذاك ، بقوله : “كنت اثناء مكوثي في الموصل أطوف في شوارع المدينة وازقتها ، اشاهد فقراءها المهاجرين منتشرين في الطرق والاسواق ، والبعض منهم يتخفون تحت دكاكين البقالين والخبازين يتصيدون المشترين فما ان يشتري شخص لوازمه من الدكان سواءً كان خبزا ام سمنا ام غير ذلك ويدفع ثمنها الى البائع حتى يخرجوا من تحت الدكاكين ويهاجموه ويسلبوه كل ما اشتراه ، وكان بعض هؤلاء الجياع … يتعاركون فيما بينهم ويغتصب كل واحد منهم اللقمة من فم رفيقه ويدخلها الى فمه بطريقة لم أر مثلها طوال حياتي … وكنت اشاهد مأموري البلدية ومعهم الحمالون … يجمعون جثث الميتين جوعا في كل صباح ومساء كأنما يجمعون الحطب والنفايات” .
ومن آثار المجاعة التي حلت في مدينة الموصل ، انتشار ظواهر النهب والسطو على اموال الاهالي وممتلكاتهم وخصوصا عند شيوع الاخبار بان بعض التجار احتكروا المواد الغذائية ولذلك تشكلت عصابات منظمة للسطو على مخازن المواد الغذائية او على بيوت التجار لغرض الحصول على الغذاء ، ففقد الامن في المدينة ولذلك عمد اصحاب الاموال والمواد الغذائية على حراسة ممتلكاتهم سواء الموجودة منها في بيوتهم ام في دكاكينهم للتصدي لتلك العصابات التي تريد السيطرة ونهب المواد الغذائية . وانعكس الوضع الامني المضطرب على تمرد اهالي القرى الخارجة عن النطاق الجغرافي لمدينة الموصل عن طريق عدم دفع الضرائب للعثمانيين جراء تلك المجاعة ، فقد امتنع الإيزيديون القاطنون في منطقة سنجار عن دفع الضرائب والعشور منذ عام 1917 ، فحصلت مواجهات مع العثمانيين للقضاء على تمردهم في عام 1918 . وفضلا عن ذلك برزت ظاهرة نهب المسافرين وتسليبهم ، وخصوصا بعد لجوء الارمن الى مناطق اليزيدية ، وقد حددت هذه الحالة عن طريق برقية بعث بها الناظر طلعت باشا الى مركز ولاية الموصل في شهر كانون الثاني عام 1917 ، والتي تضمنت “اعلمتنا متصرفية دير الزور ان الارمن الموجودون داخل اللواء والذين فروا سواء اثناء عمليات السوق بطريقة اخرى ، قد اجتازوا (ولاية الموصل) عن طريق البادية والتجأوا الى الإيزيدية الذين قدموا الحماية لهم ، وبدأوا بالتجاوز على المسافرين، ابلغونا عن عدد الإيزيدية هناك وهل اتحدوا مع الارمن لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع تجاوزهم” .
وفي استعراض لمدى ارتفاع الاسعار والغلاء الذي ساد مدينة الموصل في مدة المجاعة يمكن الاشارة الى ان اسعار المادة الاساسية للعيش المتمثلة بالخبز ارتفعت اثمانها الى ثلاثة اضعاف ، اذ ان الحنطة بلغت من الندرة والشحة بحيث اصبح بيعها حسب الاوزان التي يعتمدها العطارون في بيع موادهم ، وارتفع ثمن رغيف الخبز الواحد الى اكثر من قرش واحد . وفي هذا الصدد ، وفي سنة 1918 ، ارتفعت اسعار المواد التموينية والغذائية بنسب عالية جدا بحيث اصبح سعر (وزنة الحنطة)(*) مرتفعا بنسبة (260%) ، كما ارتفع ثمن وزنة الرز بنسبة (250%) ، والشعير بنسبة (160%) ، وفي ذات الوقت ارتفعت اسعار السكر والشاي الى ثلاثة اضعاف .
وبلغ سعر وزنة الحنطة الموصلية الى (20 مجيدي) ، وبلغ سعر الطن الواحد من الحنطة قبيل انسحاب القوات العثمانية من الموصل قرابة (400 ليرة ذهبية) ، وتجدر الاشارة الى ان التجارة بالحنطة كانت تتسم بالسرية وذلك للخشية من معرفة الجهات العثمانية التي غالبا ما كانت تصادرها . وفضلا عن ذلك ، فان نقل البضائع التجارية من داخل الموصل الى خارجها ، او جلب البضائع من خارج الموصل الى داخلها ، وقد تعرضت الى قطاع الطرق وهذا يوضح مدى الفوضى التي حصلت ابان الحكم العثماني في عدم القدرة على توفير اسباب الحماية للتجارة ، ومنها تجارة الملح ، التي يتعرض تجارها الى رسوم تستحصل بشكل غير رسمي من قبل عشيرة شمر ، اذ كانوا يستوفون رسم مرور مقداره الف وخمسمائة قرش مقابل كل قافلة تحمل الملح تحت مسمى (الخوة) ، التي تعني استخدام القوة في الحصول على رسوم تجارية غير قانونية من بعض العشائر العراقية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى