اخر الأخبارثقافية

“منازل العطراني “.. رواية عن معارضة البعث في الثمانينيات والتسعينيات

تدور أحداثها في مناطق الأهوار

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد عباس لطيف أن رواية “منازل العطراني ” للروائي جمال العتابي  تضعنا إزاء واقع مأزوم نتيجة وجود إفرازات الصراع الغنائمي على السلطة، وانعكاس هذه المظاهر على الإنسان والمجتمع والحياة بشكل عام.

وقال لطيف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”:إن”الرواية توثق سيرة السجين (محمد الخلف) وما حدث له من قمع واستلاب وتشرد أفراد عائلته، حين هرب من السجن ولجأ الى أحد أصدقائه، ومن ثم اختار مكان النفي أو الاختباء في بيت ( نوار الناهض) في أعماق الأهوار هرباً من بطش السلطة وينشطر السرد الى متابعة هذه المكابدة بين المنفى الاختياري للبطل، وبين معاناة الاسرة لا سيما الزوجة (زهرة) وأبناؤها خالد وعامر وليلى “.

وأضاف :إن” المكان احتل حيزاً في مجمل بنية الرواية وتعمّقت دلالاته حتى أصبح رمزاً لغياب الوطن بمعناه الحقيقي حتى يصل استثمار هذه الثيمة بصياغة المنحى الرمزي، فلجوء محمد الخلف الى قرية (العطرانية ) يمثل رحلته المضنية للبحث عن الوطن المفقود، وبسبب التأزم السياسي وسلسلة الانقلابات العسكرية وهيمنة (رعاع) السياسة على مقاليد الحكم، ظل هاجس البحث عن مكان دلالة رمزية في الرواية،  وما يعمّق هذا المعنى أن محمد الخلف واسرته يبحثون عن مسكن لهم في نهاية الرواية، ولجوء البطل الى أعماق الاهوار ونهر الغراف دلالة اخرى بجعل المكان محوراً لمحاربة السلطة الجائرة، وهي إشارة الى ما شهدته الأهوار من مقاومة واحتجاج على مدى التاريخ منذ (الغموگة) وخالد أحمد زكي، حتى مجاميع المعارضة ضد نظام البعث إبان مرحلة الثمانينيات والتسعينيات”.

وتابع : إن”الروائي  وضع الكثير من التجليات والحقائق وتمكن من صياغة عمل روائي يجمع بين خصائص وتقنيات السرد وبين تناول الهمّ السياسي  والانساني، وفق توجه ومقاربة جمالية أبعدته كليا عن الوقوع في مزالق الرواية المؤدلجة، او التعبوية أو السرد الشعاراتي الذي غالباً ما تقع به النماذج التي تتصدى للسياسة والتاريخ والصراع على السلطة”.

وبين : أن رواية ( منازل العطراني ) لم تكن تأريخية محضة ولم تسقط في التوثيق المجرد بل كان الوعي حاضراً لاجتراح  موازنة بين  الحقيقة التاريخية وبين المتخيل السردي وقراءة الأحداث قراءة إنسانية وجمالية وسايكولوجية. فالبطل (محمد الخلف) لم يكن بطلاً مؤدلجاً بصورة كلية بل كان نموذجاً إنسانيا يتميز بوعي متقدم انتقلت ملامحه الى ابنائه وصهره وابن اخته، وأصبح البؤرة التي تحرّك وعي الاحتجاج والمقاومة وإدانته ونقد كل اشكال السلطة التي توالت على الحكم منذ انقلاب 14 تموز 1958، وتسلل العسكر في السياسة وتحول الحكم الى  صراع بين الرتب العسكرية والأحزاب المؤدلجة، واستطاع الروائي أن يقدم رؤية بانورامية في تفكيك الواقع الملتبس ومن خلاله أدان النسق الايديولوجي والنسق العسكرتاري والتمركز السلطوي ، مؤكداً أن الوعي والثقافة والتضحية هي السبيل الحقيقي للمواجهة والتغيير.

وأوضح : أن”الروائي تمكن من صياغة الصراع عبر أجيال متعددة ، تمثل هذا المنحى بمواصلة الابنين خالد وعامر النضال والمواجهة، وحمل مشعل الوعي وقناديل المعرفة، وهذه إشارة ذكية لدور الفكر في الصراع وأنه المنبع الحقيقي لكل عقل مغاير وبدليل لكل أشكال القمع والاستلاب السياسي كما إستطاع أن يحوّل الرواية من النمذجة أو التناول السياسي الى تقديم رواية إنسانية تسبر غور الواقع والتاريخ والصراع الإنساني، وتحولت الى سؤال وجودي بمعنى الوطن ومعنى أن يكون الوعي هو مرجعية كل تغيير ورفض واحتجاج”.    

وأكمل :أن”الرواية اتسمت بالاحتفاء بمفهوم البطولة الجماعية تماهياً مع سلطة الفكر، ورفض الفردية بمفهومها السلبي وتحولت كل الشخصيات الى أبطال … وكل شخصية قدّمت جهداً  في معنى التصدي والمجابهة سواءٌ أكانت شخصيات تعيش في المدينة أم في أقصى أحراش الأهوار وأعماق الريف واستطاعت الرواية بمهارة واختزال أن تقدم رؤية لحمولات الصراع السياسي وعلى مدى خمسة عقود، وهي تتوغل في التفاصيل والوقائع دون الاستغراق في السرد التاريخي والنسق التوثيقي المجرد”.

ولفت الى أن “الرواية اتسمت بكل مدلولاتها ومشاهدها ووقائعها بالميل الى القراءة الانسانية والجمالية وإدانة الأنظمة المؤدلجة وغنائمية ونفعية العسكر والمتحزبين والمتمركزين حول الهوس البراغماتي، وصنع هياكل هيمنة سلطوية بعيدة عن مشروع المجتمع المدني والدولة الراسخة”.

وختم :إن” منازل العطراني”  تجربة روائية رصينة وناضجة امتلكت شروط الابداع الذي يؤرخ للصراع الوجودي والقيمي وينتصر للإنسان بوصفه  محور الوجود ومصدر التأسيس والرفض  والإشراق التنويري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى