ثقافية

المرأة والبيئة في رُسومات ألفونس إتيان

خحخجخح

محمد بسكر

لا ريب أنّ للمكان تأثيره في جدّية الإبداع الفني الذي تميّزت به لوحات المستشرق الفرنسي ألفونس إتيان دينيه، وخاصة المتعلقة بالمناطق الصّحراوية، حيث تنسجم فيها زرقة السماء مع مظاهر الطبيعة، فالبيئة التي اختارها للعيش والاستقرار، بما تمثله «من عروبة صادقة، وفروسية دافقة، وهمم باسقة، وأحاديث شائقة، وانبساط وديّ، وتسامح كبير»، هي التي استنطقت مكنون أفكاره، فجسّدها في تصوير المجتمع العربي برجاله ونسائه وفتيانه، وبيوته الطّينية المتواضعة، وحياته البسيطة المقاومة، فقد خالط العرب ووقف على عاداتهم وثقافتهم وتأثر بعفويتهم، واتّخذ من واحة بوسعادة ميدانا لأهم انجازاته، فوجدها بلدة ساحرة، وواحة باهية، فرَقَم ذلك بريشته في لوحات فنية أَخّاذة، استوفى فيها غاية الجمال والإتقان.
يقول صاحبه الأستاذ محمد رستم “في تلك الواحة السعيدة الهادئة الجميلة ينتقل إليه ـ أي منزله ـ فيسكنه نصف العام كاملا، يرتاح للعرب وجيرتهم ويروح عن نفسه بينهم، وينعم بما في حياتهم من جلال تلك المناقب المأثورة عنهم، وتلك المكارم المعروفة بهم، والتي لا يميل إليها إلا ّ عشّاق الخيال السّامي ولا ينشدها إلاّ أهل الفضائل العالية”.
وفد إلى الجزائر نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، الكثير من الرّسامين الغربيين الذين اشتهروا بأعمالهم الفنية الرّائعة، منهم: أوجين فرومونتين، بيير أوجاست رينوار وغيرهما، وعاصر إتيان دينيه بعضهم أمثال هنري ماتيس، وإدوارد فيرشافلت، ونواري مكسيم، وأوجين جيرارديه، وبوان أرمون، وتيودور شاسيريو، وأجين دولا كروا، وبول لازيرج، وغوستاف غيومي الذي قضى فترة طويلة من حياته في صحراء الجزائر، وجدّ في دراسة الحياة العربية الأصيلة في منطقة الحضنة وبوسعادة وأنجز سنة 1863م أوّل لوحة جزائرية له، موضوعها الصلاة في الصحراء، وأثبت جدارته في الوصف الدقيق للمناظر الطبيعية والحياة اليومية في مجتمعات البدو والواحات والقرى القبائلية.
لقد نجح بضعهم في دراسة الأهالي والحياة العربية إلى حدّ بعيد، لكنّهم واجهوا صعوبة في تمثيل المرأة باعتبارها نصف المجتمع المكنون خلف الجدران الصمّاء، وكذا في تمثيل الحريم والأماكن المقدّسة كالمساجد والزوايا وحسب “ماريون فيدال بوي” فإنّ كلّ رسّامي الجزائر تأسّفوا لصعوبة إيجاد نماذج إناث بين المسلمات، وكان رسم اليهوديات أهون عليهم بكثير في المجتمع الجزائري، يقول “أوجين فرومونتين” في ذلك “إنّ الولوج أكثر في الحياة العربية قبل أن يؤذن به هو حبّ اطلاع مفهوم بشكل خاطئ، يجب أن ينظر إلى هذا الشعب من المسافة التي تتناسب مع ما يريد إظهاره، الرّجال عن قرب، والنّساء عن بعد، غرفة النوم.. لا ينظر إليها أبدا، إنّ وصف شقّة للنساء.. في اعتقادي أخطر من الغش، وهو ارتكاب خطأ في وجهة النظر باسم الفنّ”.
ومع ذلك؛ فلوحات بعضهم لا تخلو من تصوير للمرأة العربية في حالات تخدش بكرامتها، كالرقص، والاستحمام، والصور الفاضحة، وهي في معظمها تحتاج إلى المراجعة والتمحيص؛ لأن أغلبها من صنيع مخيلة الرّسامين لأغراض دعائية، “فلو أخذنا لوحات الرّسام دولاكروا الموسومة “بنساء الجزائر” تستوقفنا دقّة التفاصيل في رسم أثواب النساء، ونقل صيغ التطريز والأزرار، والزخارف والتخاريم، والبلاط والفرش، والباب الخشبي المنقوش، والمرآة المذهبة.. وما إلى ذلك من التفاصيل الكثيرة، علما أنّ زيارته للجزائر لم تتعدّ ثلاثة أيام من 25 إلى 28 جوان 1832م”.
واستقراء الأعمال الفنّية التي خلّفها إتيان دينيه، تبيّن أنّه لقي الصعوبة نفسها في تجسيد المرأة العربية، وحسب دراسة أجريت لمجموع لوحاته، حول الطبيعة والمجتمع، والشخصيات والتقاليد، فإنّ رسوماته التي جسّد فيها حياة المرأة العربية لا تمثل نسبة 2 %من لوحاته التي تزيد عن 500.
نعم؛ له لوحات تُشكل في حدّ ذاتها إساءة كبيرة لمجتمعنا، رسمها على الأرجح قبل إسلامه، غير أنّه أوفر حظا من غيره في تصوير المساجد والزّوايا والأسواق وحياة النّاس اليومية، وما يميّز أعماله ، كونها جدّ متحفظة للغاية، فهو يحب التمثيل والمحاكاة والواقع الأثنوغرافي في تعامله مع المواضيع التي يعالجها، وأتاح له فهمه للثقافة العربية ميزة تصوير الواقع بلغة تشكيلية بليغة في الوصف والإبداع، وبعيدة عن التجريد والغموض، فلوحاته الفنّية تتّسم بالدّقة الفائقة، وخاصّة عند تصويره لملامح الشخصيات من شيوخ ونساء وفتية، أو المظاهر الاجتماعية التي تبدو فيها بيوت العرب الطّينية العتيقة والبسيطة بأزقتها وعوازيقها وتعرّجاتها، أو المدارس القرآنية البعيدة عن الشكليات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى