اخر الأخباراوراق المراقب

موقف التضحية “الفريد” للإمام الحسن عليه السلام

لكل أهل البيت عليهم السلام مواقف مشرفة لا يعلو عليها سواء من حيث الزهد او التواضع او عدم الاكتراث بمغررات الدنيا والعمل على الحياة الابدية في الاخيرة والتي وعدهم الله سبحانه وتعالى بها، فهم اجتهدوا في سبيلها، في المقابل أن الله عز وجل جعل من هذه الشخصيات رموزا يقتدى بها في كل العصور، ليصبحوا شعلة منيرة في طريق الحق والتضحية والعطاء.

وأين تكون التضحية في سبيل الله والفناء في ذات الله والعمل في جنب الله الا حين تستقيم النفس لا تلتمس ريبة، صريحة لا تتكلف مداراة ولا مداورة ولا استخفاء، مجاهدة جهادها الأكبر في تحطيم ميولها الشخصيّة، ومعاكسة طبيعتها البشريّة بكبح جماحها الأرضي الأنانيّ.

وها هي “الإمامة” بكلّ معانيها المنقطعة إلى الله وها هو “الإمام” المنقطع إلى الله بكلّ معانيه، وإذا لم يكن الظرف القائم بين يديه، كافياً للإنتصار على الباطل فلم لا يتّخذ منه ظرفاً كافياً للاحتفاظ بالحقّ؟ وذلك هو ما انتهت إليه صورة الموقف، بعد أن رفع الستار عن نوايا الجماهير التي كانت ترتجز أمامه للجهاد، وتتركز في حقيقتها على الاغراض.

وإذا كان لا يردّ عادية معاوية عن الإسلام الصحيح، متمثلاً في الصفوة من آل محمّد (ص) والبقيّة الباقية من حزب الله المخلصين، ولا يردّ أجناده من أهل الشام، ورتله الخامس المتغلغل في صميم الكوفة وفي معسكر الإمام الّا الغلب على الملك.. فلتكن لهذه الأيدي العادية الضارية غنيمتها من الدنيا، بشهواتها ومطامعها ومضارها ومعايبها، ولتسلم للحسن وللبقيّة من حزب الله، مبادئُهم الروحيّة، بجلالها وقوتها وإتساعها وعظمتها وخلودها.

وما من غضاضة على ابن رسول الله (ص) إذا تنزّه عن وضر المادة، فترك الدنيا لأهلها، وانفرد بسلطان الروح، ثابت المقام في عظمته، مرفوع الاعلام في إمامته، معروف الفضل في أمثولته، مشكور الشمائل في جهاده وصبره وتضحياته.

وما لمسلم معنيّ باسلاميّته، ولا لمؤمنٍ حريص على الصحيح من عقيدته، أن يشتبه في أمره، أو يفرط بحقّه، أو يتناسى مكانته من رسول الله (ص) أو يتجاهل إمامته الثابتة بأمر الله ـ تلك الإمامة التي لا تقبل تغييراً ولا انتقالاً، ولا تحتمل ضعفاً ولا انخذالاً، ولكنّها الغالبة المنتصرة رغم المحاولات المخذولة المناوئة، تقوى بقوّة الله، وتثبت بثبوت الحقّ، وتمتدّ في أعناق الأجيال كما تمتدّ النبوّات في أعناق أممها، فيها كلّ معاني المجد الحقيقي، وفيها الهيبة القادرة، وفيها الاستخفاف بخيلاء المناوئين.

انّها المرحلة الدقيقة من مراحل تاريخ الاسلام. وهي مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية والملك «بين الإمامة الدينيّة والسلطان»، بين السلطة الزمنيّة والسلطة الروحيّة.

ولم يكن هذا الفصل ـ على صورته الظاهرة ـ ممّا تألفه الذهنيّة الإسلاميّة بادئ الرأي، ولكنه الأمر الواقع الذي درج عليه الإسلام وألّفه المسلمون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، منذ قبض رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم، الّا في الفترات القصيرة التي كانت قطرةً في بحر هذه القرون. وكان الاستسلام لعمليّة الفصل من قبل أولياء الأمر الشرعيين، الوسيلة الإصلاحيّة التي يجب الأخذ بها عند الخوف على بيضة الإسلام.

ومحا الحسن ـ على هذه القاعدة ـ خارطة مملكته المادية من الأرض، لينقش بدلها خارطة عظمته الروحيّة في الأرض والسماء معاً. وتلفّت إلى « حدود » مملكته في الملك الجديد الذي لا يبلى، فإذا هي الحدود بين مملكة الحقّ والمملكة التي هي شيء غير الحقّ، بين الإنسانيّة المثاليّة والأنانيّة الطاغية، بين روحانيّة «الإمام» الذي يحيا ويموت، وعلى لسانه كلمات الله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، (وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ـ وبين مادية «الجبّار» الذي يعالن الناس قائلاً: «والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتزكوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا، وانّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!».

أمّا النفس المطمئنّة المفطورة على الخير المحض، فالحادثة عندها وسيلة أهداف هي أعزّ من الملك، وهي أعزّ من الدنيا بأسرها، وهي ـ مع ذلك ـ التاريخ الذي يلعلع على الإنسانيّة بالأمجاد، وهكذا غلب الحسن الناس في جهاده، وفي صبره، وفي تضحيته جميعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى