السلوك المفرط والعالم الهش

تعيش غالبية المجتمعات الحالية سلوكا مفرطا في العيش من حيث الملبس والمأكل وجميع مفاصل الحياة، ولهذا دلالات وانعكاسات سلبية باتت واضحة، ما جعل العالم يعيش مرحلة هشة.
الاستهلاك المفرط والشراهة المتوحشة بالطمع والحرص الشديد على الدنيا والتكالب الاعمى على الماديات، وتضخم نزعات الأكل والشرب والملبس، جعل العالم هشّا يعيش الكوارث والأزمات، عالما متفكّكا نتيجة السلوكيات المادية المفرطة في الاستهلاك والترف والتجمّل والإسراف والتبذير.
ان تشكيل السلوك يبدأ أولا بالبرمجة الفكرية عبر القناعة، فعن الإمام علي (عليه السلام): (إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه القناعة فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف)، والإلهام: ما يُلقى في القلب من معان وأفكار يبعثه على فعل الشيء أو تركه. فالإلهام ما يقع من العقل في ذهن الانسان فيوجهه نحو سلوك الخير، ومايقع في الذهن من اهوائه فهو وهم يقوده نحو سلوك الشر، وفي كلا الامرين فهو معرفة ذاتية تقود الانسان الى الاقتناع بأمر ما، وتتحول هذه القناعة إلى برمجة فكرية، بعد أن يؤطّر فكره ويقولبه نحو اختيار سلوك معين.
الممارسة العملية عبر (واكتفى بالكفاف) أي يكون مكتفيا ولا ينظر إلى الآخرين، في أكله وصرفه ورزقه وكسبه واكتسابه بما يؤدي إلى اكتفائه ولا يبحث عن حد أعلى من الكفاف، بحيث لا يتجاوز المحظورات ولا يعبر الحدود الأخلاقية والشرعية، فلا يؤذي قلبه ونفسه بالرذائل التي يتعرض لها الإنسان كنتيجة لعدم وجود حالة الكفاف في قلبه كالحسد والطمع والحرص على الدنيا، التي تقوده وراء الماديات.
وهذه الرواية تبين لنا عملية بناء البرمجة السلوكية، وكيف يقتنع الإنسان في داخله، فالناس في بعض الأحيان يقتنعون داخل أنفسهم وأفكارهم بأن هذا الشيء الذي يمتلكونه لا يكفي، فيذهبون للكسب بأية طريقة كانت لكي يحصلوا على الكثير الكثير لكي يؤمّنوا مستقبلهم، فينزلقوا نحو الحرام والرشوة والفساد والاحتيال والخيانة وغش الناس، ببيع البضاعة الزائفة، لأن الفرد منهم يشعر بأنه ليس مكتفيا، ولا يقتنع بما عنده، ويعتبر حياته ناقصة. وهذا النقص الذي يشعر به يجعله بالنتيجة يتجاوز حد القناعة وحد الكفاف، ويسقط في المحظورات.



