ما ضاع وما تبقى من جواهر التراث ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
كلمة تراث حسب معجم المعاني هي الإرث فمن ترك تُراثًا تَرَكَ إرثًا ينتقل من جيل إلى جيلٍ ويقال وَرَثَ يَرِثُ وِرثَةً أو إرثًا أو تُراثًا. لكن آراء ذوي الاختصاص اتفقت على تقسيم التراث الى قسمين مادي ومعنوي . ومصاديق التراث المادي تتجلى في الممتلكات والأنتيكات والصناعات الشعبية القديمة والأبنية التراثية والحرف اليدوية وكثيرا ما تتعرض للأضرار بل وحتى للزوال لذلك انبرى الكثير من دول العالم خصوصا المتقدمة منها لتشريع القوانين المشدّدة للحفاظ على التراث المادي للبلاد . أما التراث المعنوي فهو كل ما يتعلق بالتقاليد والعادات والأعراف المجتمعية على مستوى الفرد والجماعة . هذا التراث يتعرض للتآكل والتلاشي التدريجي تبعا للظروف ويتأثر بالمتغيرات الطارئة التي تحدث في المجتمعات كالحروب أو التعرض للعزو الثقافي أو ما يسمى بالعولمة لذلك فهو الأجدر بالالتفات إليه والحفاظ عليه، من هنا ومن أجل أن لا ننسى ولأجل أبنائنا وللأجيال القادمة نتناول شيئا من تراثنا الذي من حقنا أن نفتخر به ونتباهى في ثناياه . المجتمع العراقي كان يمتاز بالبيئة الثقافية في مفردات الحياة اليومية فمن يتكلم مع الآخر يقول له حضرتك وليس أنت ولم يجرؤ أحد على أن يتحدث مع رجل كبير في العمر أو في المنزلة ويضع ساقيه رجلاً على أخرى . من تراثنا أنه كان أشبه بالمستحيل أن ترى رجلا كبير السن واقفا أو امرأة مهما كان عمرها واقفة وأنت جالس في الباص أو في المستشفى أو أي مكان ,. كنّا حين نطرق الباب على صديق نقف بعيدا عن باب الدار وكنّا إذا سافرنا خارج المحافظة نضع مفاتيح البيت عند الجيران فالبيت كلّه أمانة بين أيديهم . كان رب الأسرة لا يقبل بأن ينام أحد أبنائه أو بناته دون أن يتناول العشاء لأن ذلك ( لا يصلح ) . من تراثنا أيضا لا يأتي أحد ويفتح باب غرفة مغلقا ويدخل قبل أن يطرق ذلك الباب حتى في بيته . كان أبناء المنطقة يعرف بعضهم بعضا ويحب بعضهم بعضا ويحترم بعضهم بعضا لذلك إذا جاء أحد من خارج المنطقة فالكل يسأل من أين هذا الغريب ؟. تعلمنا أننا إذا كان لدينا ضيوف يتناولون الطعام فإننا نكون آخر من يقوم من المائدة أما إذا كنا نحن الضيوف فإننا أول من يقوم . كان في تراثنا أن الجار يشفع للإبن ويخلصه من بين يدي أبيه إذا أراد أن يضربه وكنّا ننحني إجلالا واحتراما للعم والخال والجد والى حد تقبيل اليد . من تراثنا أننا ندخل الى بيوت الناس كالعميان ونخرج كالخرسان ولا نتحدث إذا تحدث الأب ولا يعلو صوتنا على صوته ولا نزور أحدا في بيته بوقت متأخر . كانت بنات الجيران أخواتنا بالحفظ والاحترام والمعاملة وننادي أمهات أصدقائنا وجيراننا بكلمة خالتي قلبا وربًّا . كان الأخ هو الحارس لأخته والغيور عليها والمدافع عنها فيما كانت الأخت تهاب أخاها وكأنه وليّ حميم . كان في تراثنا من البديهي جدا بل من الواجب أن نرى جارتنا قادمة من السوق وتحمل أغراضا أن نأخذها منها ونحملها بدلا عنها لنوصلها للبيت . من تراثنا أيضا كان الطالب يخجل من المعلم أو المدرس ويهابه ويخشاه أكثر من أبيه . لبس البيت كان غير لباسنا في الشارع فلا يجرؤ أحد أن يخرج بالشورت أو (البرمودة) . من تراثنا لم تكن عباءة المرأة شيئا قديما بل من أرقى الأزياء لستر المرأة الزينبية مهما كانت شهادتها وتحصيلها وثقافتها الأكاديمية كما كنّا نستحيي من بعضنا ونحترم بعضنا وغير هذا وذاك وهو من أهم وأغلى ما كان في تراثنا أيضا كان من السهل أن تميز بين الذكر والأنثى في الوجه واللبس والحركات . حفظنا الله وإياكم وحفظ ما تبقى لنا من التراث وهو السميع العليم .



