اخر الأخبارثقافية

التشكيلي هاشم تايه يستقي مادة أشكاله مما يلفظه الإنسان في رحلته اليوميَّة

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد طالب عبد العزيز أن أعمال هاشم تايه يقدّم فيها الحياةَ بوصفها نفاية مؤوّلة، فهو يصنع مادة أشكاله مما يلفظه الإنسان في رحلته اليوميَّة.

وقال عبد العزيز في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي “: عبر أعماله المختلفة، وفي أكثر من معرض يقدّم الفنان هاشم تايه الحياةَ بوصفها نفاية مؤوّلة، فهو يصنع مادة أشكاله مما يلفظه الإنسان في رحلته اليوميَّة، ومما انتفت الضرورة لوجوده في بيوتنا، لأنَّه يعتقد بأنَّ الوجود الإنساني برمته آيلٌ لكي يكون نفاية في الأخير، وما نحن إلا نفايات تتجدد، وتتخذ أشكالاً لن تمكث طويلاً في كتاب الجمال والقبح، إذ لا جمال أبدياً، ولا قبح نهائياً. ترى إلامَ ستظل نفايات تايه تستفزنا وتتحققُ من وجودنا، عبر تشكّلها الخرافي في هيئاتنا وممارساتنا اليوميَّة للحياة؟.

وأضاف: في البدء يحقُّ لنا أن نسأل ما هي النفاية، وهل من تعريف لها؟ في كتابه (النفايات- مدخل إلى الشك والخطأ والعبث) يقول جوزيف سكالان، وهو باحث أكاديمي: “إنَّها كلُّ ما يتبقى بعد انتزاع ما هو جيد، ومثمر، وقيّم، ومغذٍ، ومفيد” ،إذن، هي ما تخلّف حولنا مما كان لنا، وارتبط بقيامة حياتنا. ما فعله هاشم في أعماله، التي قاربت الثلاثين عملاً والتي جمعها على طاولة كبيرة، في ركن القاعة، وبدت كما لو أنّها قطعة الأرض التي اجتزأت من حياتنا، اجتمع الخوف والدهشة والرعب والسخرية واليقين، واليأس، والتفوق، والإحباط.. في لحظة إنسانيّة نادرة، فهو لا يرى فيما نترك من قناني الماء الفارغة وعلب السردين وأنابيب البلاستيك وأسلاك الكهرباء وغيرها إلّا تفاصيل رحلتنا من الوجود المبهم الى الوجود المعلوم، ومن التكوين الأكمل إلى الأقل كمالاً، إذ تتجدد الفكرة، وتستبدل الاشكال أدوارها، فتكون المآلاتُ الأولى والأخيرة معا مادة الخلق ثانية وثالثة والى ما لا نهاية، ذلك لأنَّ التعريف الفلسفي للنفايات يقول بأنَّها “العدميَّة التي يهربُ منها الشكل”.

وتابع : في المعرض المشترك (عرقنة وأمركة) لهاشم تايه وياسين وامي والمقام على قاعة جمعية التشكيليين بالبصرة، كنت قد وقفت طويلاً عند اعمال هاشم اللافتة للنظر، هذه النفايات التي استعادت حيواتها في عملية السحق والدعس والتحطيم، فتخلقت ثانية، بآدميتها أو بوحشيتها بيننا، النفايات التي جاءت من أكثر من مكبٍّ، ورمتها أيادٍ كثيرة، وأشاحت عنها أعين لا تحصى، وعافتها النفوس.. كيف لها أنْ تملي عليَّ حياتي ثانيةً، وتهددني بمصيري؟.

وواصل : ان هاشم، الذي يجدد حضورَنا في ما نراه مغبرَّاً ومشمَأزاً منه من حياتنا، إذ تؤكد أعماله هذه لنا بأننا نفايات مقبلة. يقول (سكانلان) “إنَّ لغة النفايات هي لغة النهايات”، لهذا أصبح بثُّ الحياة في المادة الميتة أسلوباً عند الفنان والنحَّات الأمريكي جوزيف كورنيل (1903 – 1972) وقد تمنحنا معاينة أعمال هاشم تايه فرصة أن نذهب الى معاينة تجارب مجاورة أخرى، فنحن في عالم يقول عنه (سكانلان) بأنّه “يزداد تخصصاً، عالمُ صقلٍ وتشذيب” العالم هذا علينا أن نتقبّله، لأنّنا نرى فيه بقايا ضروريَّة من فائض المادة الذي أُنتُزعَ من الإنتاج الاقتصادي الثمين. كل معاينة لأعمال هاشم تستدعي منا استنطاق المادة التي كانت محتوى لها ذات يوم، بعيداً خارج دائرة ما آلت إليه أمامنا، الآن.

وواصل: وكمن لا تفزعه الأسئلة الكبرى، كنت كثيراً ما تحدثتُ مع هاشم عن إمكانية تغيير مادة أعماله (الكارتون وعلب السردين وقناني الماء الفارغة..) بمواد أخلدَ وأبقى، تمكّننا من الاحتفاظ بها، هكذا، مثلما كان يفعل كورنيل باستخدام الأشياء الشائعة أيضاً (النظَّارات والرخام والمرايا..) إلا أنه كان يذهب في دفاعه عنها إلى وعيٍّ مطلق، مقتضاه أنْ لا جدوى من الابقاء على شيء، في رحلة الحياة هذه، لأننا في النهاية محض نفايات، فأصدّقه وأذهب معه، ففي عالم المعرفة اليوم يقول كورنيل لا وجود للمدخلات الخاطئة “الأشياء، والأجسام، والأفكار، قد تخرج من الاستعمال، وتصبح عتيقة، وتصير إلى خراب، لكنَّ نواتجها تشكل المادة الأوليَّة لأشياء جديدة”.

وأوضح: لا تنحصر معاينةُ أعمال هاشم تايه الأخيرة بزاوية الجميل والقبيح بقدر ما تذهب في تأملها الى الأسئلة الكبرى، حين تكون الإجابة نفاية في الكلام حيث ان الأسئلة تلك هي التي تحدد وجودنا، وتنفتح أو تنغلق على مصائرنا، في محيط استهلاكيٍّ، بات الإنسان فيه المُسْتَهلَكَ الأكبر- الاستهلاك هنا من الهلاك- أعمال هاشم تجرّدنا من كينونتنا، وتجعلنا في مواجهة ذواتنا، فنتحسس وجوهنا وأيدينا ولغتنا قبالتها أيضاً، فهي تكشفُ ما يمكن أن نكونه في لحظة أخرى، حين نقف مجرّدين من أناقة السؤال أمام تهمة الإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى