خيارات ماكرون الخارجيّة.. رافعة التظاهرات المطلبيّة

بقلم: وسام إسماعيل..
على الرغم من اهتمام المجتمع الفرنسي بالعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، إذ إنه معني بالحؤول دون امتدادها إلى أوروبا الغربية ومساسها بنمط الحياة الذي يشكل باكورة جهد ونضالات امتدت لسنوات طويلة، لا يمكن اعتبار هذه الحرب، حتى اليوم على الأقل، مصدراً يهدد بطريقة مصيرية المكتسبات المجتمعية في فرنسا، بخلاف قانون الإصلاح التقاعدي الذي تصرّ إدارة الرئيس ماكرون على تمريره في لحظة حساسة تعاني فيها الطبقات المتوسطة والفقيرة تداعيات تضخم هائل وانخفاضاً ملحوظاً في قدراتهم الشرائية، نتيجة انغماس فرنسا في خطط الناتو والإصرار على مواجهة روسيا عبر مد أوكرانيا بالسلاح والمال، إضافة إلى مشاركتها في تبني حزمات من العقوبات الموجهة ضد واردات الطاقة الروسية.
من ناحيته، يصر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على السير في ما يعتبره إصلاحاً للنظام التقاعدي، ولو كلفه خسارة جزء من شعبيته، إذ يُعتبر سن التقاعد الفرنسي الأدنى في أوروبا، ويرى أن عملية إصلاحه ضرورية من أجل الحفاظ على استمراريته، وخصوصاً أن العجز السنوي يتراوح بين 10 و12 مليار يورو من أصل مبلغ يقدر بـ340 مليار يورو يصرفها نظام التقاعد الفرنسي سنوياً على المتقاعدين.
في المقابل، هذا العجز، بحسب الخبير الاقتصادي الفرنسي ميكائيل زمور، لا يشكل تبريراً مقنعاً للسير في مشروع الإصلاح الحالي، بما يؤكد وجود دوافع أخرى يخفيها ماكرون خلف هذه الأرقام، قد يكون منها محاولة التعويض عن التخفيضات الضريبية الكبيرة التي طالت الشركات وضريبة الدخل على الأغنياء، إضافة إلى التخفيف من أعباء الخزينة الإضافية التي سببها الدعم اللامحدود لأوكرانيا.
وإذا كان من الطبيعي أن نشهد هذه التظاهرات في دولة يتمتع شعبها بقدر واسع من الحيوية والحرية التي يكفلها الدستور الفرنسي، المُنظِّر الأول لحرية الرأي والتعبير، فإن ما يعنينا في هذا الإطار لا يتعلق بتقدير حقوق المجتمع الفرنسي ومدى تجاوب ماكرون وحكومة إليزابيت بورن معها، إنما بمدى قدرة الرئيس الفرنسي وحكومته على مواجهة التحديات الداخلية في ظل الإصرار على تبني خيار المواجهة المفتوحة مع روسيا، إضافة إلى الانعطافة الحادة التي شهدها موقفه من إستراتيجيات الناتو وسياسات الولايات المتحدة المتحكمة في الاتجاه السياسي الأوروبي انطلاقاً من توجهاتها ومصالحها.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تصنيف الشعب الفرنسي ضمن الشعوب المتصالحة مع فكرة إعطاء مساحة مفتوحة لأيِّ دور خارجي متقدم في إطار تقرير فرنسا سياساتها الداخلية أو الخارجية، فالعلاقات المعقّدة للقيادات الفرنسية مع حلف الناتو، والتي أدت إلى انسحاب فرنسا من القيادة العسكرية لحلف الناتو ومحافظتها على موقفها المعترض دائماً على إستراتيجياته في أوروبا، تؤكد هذا المعطى.
وبناءً عليه، شكَّلت السياسة التي اعتمدها ماكرون عند انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا انعكاساً لهذا الواقع التاريخي، إذ أمكن إدراج تواصله اليومي مع الرئيس بوتين في إطار مسعى يهدف إلى تفويت فرصة تعويم حلف الناتو، الذي سبق أن أعلن سابقاً أنه دخل في مرحلة موت سريري.
وفي تقدير التوجّه الفرنسي الذي تُرجم في مرحلة لاحقة انغماساً فرنسياً غير محدود في دعم أوكرانيا، بما أمكن ترجمته نظرياً على أنه التزام مطلق بخيارات الناتو، أمكن لمس تراجع ماكرون عن تعهّداته التي أطلقها في حملته الانتخابية الأولى، إذ ظهر كمن انقلب على وعوده ونقض رؤيته لدور فرنسا المستقبلي.
وإذا كان ماكرون قد ظَهّر هذا الانقلاب على أنه ضرورة أمنية هدفها المحافظة على الأمن الأوروبي، فإن ما صدر عن القيادة الروسية لناحية تبرير عمليتها العسكرية نسف الرواية الفرنسية، ومن خلفها الأوروبية، إذ إنَّ الأهداف المعلنة للعملية العسكرية الروسية لم تقارب أوروبا وأمنها، إنما ربطتها بأمن روسيا وخطر حلف الناتو.
إضافةً إلى ذلك، فإن الشعب الفرنسي الذي يعاني أزمة اقتصادية، كما يعاني انعكاسات أزمات اللجوء التي سببتها الحروب الأميركية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يجد الضرورات الأمنية التي قد تدفعه إلى تحمل نتائج مغامرة أميركية أخرى بأدوات أوروبية.
وبالعودة إلى إستراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلنتها إدارة بايدن في الأشهر الأخيرة من السنة المنصرمة، فإنّ توصيفها بإستراتيجية العقد الحاسم ربط بين التوجه الأميركي لاحتواء الصين وكسر روسيا وضرورة المحافظة على أوروبا ضعيفة.
ولإضافة مزيد من التعقيد، فإن تفجير “نورد ستريم” وإقرار قانون خفض التضخم كرسا في العقل الفرنسي الجماعي قناعة بعدم مراعاة الولايات المتحدة خصوصيات فرنسا وانعكاسات الحرب في شرق أوروبا على موقعها وأمنها المجتمعي.
وإذا كان الرئيس الفرنسي قد دغدغ مشاعر شعبه عام 2017 حين اقترح إنشاء اتحاد أوروبي مركزيّ بنموذج سياسي واقتصادي واجتماعي ذي أصول فكرية فرنسية، يمكن أن يشكّل رافعة لاتحاد عسكري مستقل إستراتيجياً عن الولايات المتحدة، فإن المسار الذي سلكه في المرحلة اللاحقة أظهر تناقضاً أمكن تفسيره على أنه نتيجة لخطاب ديماغوجي انتخابي.
إن المسار الذي أوحى من خلاله بقدرة فرنسية استثنائية على إدارة ملف العلاقة الأوروبية مع روسيا لناحية ثنيها عن غزو أوكرانيا والإيحاء بإمكان اجتراح الحلول لهذه الأزمة بعيداً من التوجه الأميركي اصطدم بمحدودية التأثير الفرنسي في السياسات الدولية من جهة، وبعدم القدرة على كسب التضامن الأوروبي إلى جانبها من جهة أخرى.
من ناحية أخرى، إضافةً إلى الخلاف على طبيعة العلاقات الأوروبية مع الصين أو الولايات المتحدة الأميركية، جاء الموقف الألماني الرافض تحديد سقف لسعر الغاز، وإطلاق برنامج للتخفيف من الأعباء الناجمة عن ارتفاع سعر الغاز والكهرباء عن كاهل المواطن الألماني، ليؤكدا للمواطن الفرنسي انعدام وجود أسس التضامن بين الدول الأوروبية، إذ إنَّ المصلحة القومية ما زالت تطغى على سياسات الدول الأساسية في الاتحاد.
على سبيل المثال، رفض المستشار الألماني طرحاً فرنسياً للقيام بزيارة مشتركة إلى الصين من أجل إظهار وحدة أوروبا، وسبق لألمانيا أن أثارت قضية السياسات المالية الفرنسية وضرورة إصلاحها بما يتوافق مع الرؤى الأوروبية لناحية تدعيم صلاحية المؤسسات المالية للاتحاد كسبيل وحيد للتكفل بالاستقرار المالي في أوروبا.
بالعودة إلى التظاهرات الأخيرة التي ضجَّت بها الشوارع الفرنسية، يمكن ملاحظة نقمة شعبية فرنسية تتخطى إشكالية قانون إصلاح نظام التقاعد لتقارب واقعاً فرنسياً مترنحاً ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وعجزاً عن إحداث أيّ تغيير في جوهر العلاقات الأوروبية البينية، معطوفاً على ما يعتبره المجتمع الفرنسي انغماساً فرنسياً عبثياً إلى جانب أوكرانيا، إضافة إلى محاولة تحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة عبء العاجز الناجم عن سياسات مالية فرنسية تستهدف رضا مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتنفيذ رؤية غير واضحة في التعامل مع أوكرانيا، لناحية الدعم المالي والعسكري غير المحدود، ولناحية معاداة روسيا التي كانت تشكل المصدر الأكثر استقراراً والأقل سعراً للغاز والطاقة في أوروبا.
وبناءً عليه، فإن التظاهرات التي تنطلق من أسباب داخلية تتعلق بالأمن المجتمعي الفرنسي ستتأثر حتماً بأسباب خارجية لا تقل تأثيراً في الاستقرار السياسي من الأسباب الداخلية.



