اخر الأخبارثقافية

منحوتات محمود مختار.. عندما يجرّد الفنان شخوصه من ملامحهم

 

من الوهلة الأولى تبدو المفارقة في أعمال  الفنان محمود مختار في معرضه” وجوه من البازلت” ما بين رسوخ وقوة الكتلة التي يتكون منها جسم التمثال، سواء كان إنسانا أو طائرا، والحركة التي تأتي من خلال التكوين ككل، فبعض المنحوتات تتكون من مجموعات متشابهة مختلفة الأحجام، بحيث يتوسطها تكوين في حجم كبير راسخ، تحيطه منحوتات تتمثله في حجم أصغر، وتبدو أكثر ميلاً ـ أشبه بالتجهيز في الفراغ ـ وما بين هذا الثبات وهذا الميل يبدو فعل الحركة، إضافة إلى شكل المثلث الذي يتقاسم التكوين بشكل عام. ومن هذا الشكل المقدس لدى المصري القديم، الذي يجسده الهرم من خلال زواياه، يصبح الشكل الهرمي بدوره هو المسيطر، كمجموعة من المثلثات قاعدتها إلى أسفل، وقمتها في الأعلى.

ومن المفارقة نفسها تأتي فكرة السمو، ومحاولة التواصل مع السماء، رغم رسوخ الكتلة وقوة ثباتها على الأرض، فالقامة المرتفعة للجسد توحي بمحاولات دائمة من الحركة ـ الأجساد الأصغر حجماً ـ للوصول إلى هذه الدرجة من الوصول إلى الأعلى، وهو أمر يوحي بمدى استمرارية التجربة وتواصلها، حتى يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الوصول إلى المطلق.

لكن هل يبتعد الفنان بذلك عن فلسفة قريبة نسبياً من فلسفة المصري القديم؟ نجد أنه من جهة أخرى يحاول اختلاق تواصل أكثر شعبية مما يعيشه المصريون الآن، ليبدو الأمر أشبه بالحلقات الصوفية ـ الصوفية الشعبية ـ هذه الأجساد التي تتحلق المُنشد الصوفي، وتأتي بحركات مكرورة حتى تتوحد معاً، وحتى لا يصبح الموضوع مباشراً واستهلاكياً، فقد حافظ الفنان على الخطوط الحادة في التكوين، دون أن ينجرف وراء الشكل الدائري. هذه الفكرة أيضاً تؤكدها حالة التوحد مع الطبيعة والمخلوقات، فلا تفرقة بين جسد إنساني أو طائر تتمثله بجعة، أو جسد طائر برأس إنسان، وهي الصورة الأساس في الميثولوجيا المصرية، حيث الطيور والكباش وما شابه.

يجرّد الفنان شخوصه من ملامحهم، وهو بذلك يفرّ من وطأة الزمن، فلا فارق بين ملكة مصرية، نلمحها من تاجها المجرّد أيضاً ـ الأفعى ــ وفلاحة مصرية، يبدو غطاء رأسها المعهود وكأنه تاج عصري بديل عن تاج ملكات مصر القديمة، فلا فارق هنا بين عصر مضى وآخر نعيشه ونحياه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى