“احتفاءً بصباحات شاغرة” تداعيات الذات المنكسرة في الحياة

المراقب العراقي/ بغداد…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان قصائد مجموعة “احتفاءً بصباحات شاغرة” للشاعر طلال الغوّار، هي تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة.
وقال جويعد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: وسط موجة الكتابات الشعرية، المتفاوتة في جودتها وبنيتها النصية، ومفردات الشعرية الحسية، وانزياحاتها وأوزانها وقوافيها، وصورها، ورؤاها، وثيماتها، ووحدة موضوعاتها، حتى صار أمر الحصول على نصوص شعرية تمتلك الجودة العالية أمر يحتاج الى فحص وتمحيص وتدقيق، وبرغم وجود نخبة طيبة من الشعراء امتلكوا ناصية التكوين الشعري وتشكيله على وفق سياقه الفني الصحيح، وعبر مساره الصحيح النابع من وعي وخبرة ودراية الشاعر بأدوات بناء القصيدة، سواءً كانت تلك القصيدة عمودية أو تفعيلة أو نثرية، ولكل نمط من هذه الانماط أدواته الاساسية التي تشكل بناء النص، ولم يتوقف الأمر الى هذا الحد، فلا يعني إجادة بناء القصيدة الأمر الضروري الذي يتطلب من الشاعر إتقانه، وانما الأهم من ذلك هو ملاحقة موجة التطور الحاصل في تلك الانماط الشعرية، واللحاق بها والسير معها.
وأضاف: في المجموعة الشعرية (احتفاءً بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، نحصل على هذا النموذج الذي ينتمي الى تلك النخبة التي خبرت فن صناعة القصيدة بكل أنماطها، فهو يقدم لنا القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، بشكلها وتكوينها وبنائها الذي يمنحها بكل جدارة روح الشعر وعالمه وكل ما يتعلق بتدوين القصيدة.
وتابع: أن من يمر على صياغة القصيدة العمودية التي تعتمد على الوزن والقافية والبحور والايقاع والموسيقى، وكذلك من يمر على قصيدة التفعيلة، سيكون موفقاً تماماً في امتلاك مقومات صناعة قصيدة النثر بشعريتها وإحساسها وإيقاعها وموسيقاها، لأنه قد نمّى الذائقة الشعرية داخله وصارت المفردة اينما وجدت واينما كتبت تمتلك هذا الحس الشعري العميق المتأصل والناتج عن تلك التجربة، وهكذا فإننا نجد في هذه النصوص هذه السمات التي منحتها صفة القصيدة الشعرية، كون الشاعر طلال الغوّار لم ينحرف من كونه شاعراً لكل انماط الشعر، وأنه يستطيع تدوين أي نص شعري على وفق متطلبات بنائه، حيث ما اقتضت الضرورة لذلك، هذه الثيمة، وهذا الموضوع، وتلك لإنثيالات الشعرية المتدفقة لا يمكن أن تصل إلا بقصيدة عمودية موزونة، وتلك الفكرية وتلك الانطلاقات الحسية الشعرية لا يمكن لها إلا ان تكون قصيدة نثر.
وأشار الى ان الشاعر يتحكم بأدواته التي تشكل بناء النص على وفق ما يجده ضمن السياق الفني الصحيح، فتوافدت الى هذه النصوص الثيمات، والتدفقات الشعرية والهواجس الحسية الشفافة، لتتشكل وتتنوع وكأنها باقة ورد تحمل جميع الالوان وتعبق بكل العطور، حيث نجد طوافا واسعا وكبيرا لكل نواحي الحياة، وتداعيات كبيرة وكثيرة تتعلق بالحب والشوق والهيام والوله، وكذلك نجد تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة القويم، وفي البلد، وفي بغداد، وحتى في العلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة، ويمر على الفساد والخراب، ويدعو الى صباحات مشرقة ويتوق للوصول اليها، وهكذا فإننا سوف نشهد طوافا متسعا يحمل تنوعا كبيرا، ولكنه لا يخرج عن واحة الشعر الأصيل الذي ينساب بإيقاعه وموسيقاه وهو يخرج من الوجدان ليدخل الوجدان، وها نحن نشاركه هذا الطواف، حيث نقف مع قصيدة (بغداد) التي حملت شحنة من الأسى والألم لما وصلت اليه.
وواصل: “يبدو أن حالة الإنكسار النفسي الكبير الذي ألم بالشاعر عندما عاد الى قريته بعد غياب خمسين عاماً، فلم يجدها كما تركها، ولم يجد حلم الطفولة فيها، ولم يجد أشياءه الذي تركها، كل شيء تغير وصار لا يشبهه، وهذا الحس الهادئ المؤثر كانت له مسحة محببة على النصوص الشعرية، حيث نجد حالة الاستغراب قد غلفت الصور الشعرية بدلالاتها المعبرة، وهذا ما يتضح لنا ونحن نعيش خيبته في قصيدة (خيبة)”.
وختم: ان “المجموعة الشعرية (احتفاءً بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، رحلة شعرية حافلة بالعطاء الشعري الاصيل، حيث نجد فيها ما يروي ظمأنا من رحيق هذا العالم الرحب، وقدم القصيدة النثرية بشكلها الذي ينسجم وسياقها الفني الاصيل، مضيفاً اليها الحسية الشعرية الاصيلة، التي تنطلق من واحة الشعر لتستقر في ثنايا النص، وكان ذلك شأن الانماط الأخرى من الشعر التي ضمتها المجموعة.



