لوحات مؤيد محسن.. رفض فني علني لتواجد قوى الاحتلال الأمريكي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد مروان ياسين أن التشكيلي مؤيد محسن شديد الصلة بالواقع العراقي في أعماله، وربما يقف في مقدمة الرسامين العراقيين الذين لا تستطيع ان تفصل الواقع عن موضوعات لوحاتهم ، مبينا ان لوحاته هي رفض علني لتواجد قوى الاحتلال الامريكي.
وقال ياسين في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”: ان التشكيلي مؤيد محسن شديد الصلة بالواقع العراقي في أعماله، وربما يقف في مقدمة الرسامين العراقيين الذين لا تستطيع ان تفصل الواقع عن موضوعات لوحاتهم، ولكنه يقف في مكانة خاصة في انشغاله وتعامله مع تراجيديا الواقع العراقي، وما يلفت الانتباه إليه هو أن أي فكرة يتصدى لها في هذا السياق مهما كانت على درجة كبيرة من راهنيتها أو واقعيتها اليومية، فإنه يدفعنا إلى الإحساس بتداخل عناصرها مع دلالات الجذور الرافدينية، مستبعدا في أسلوبه فكرة المحاكاة عند استعادته تلك الإشارات من الحضارات العراقية القديمة، بل نجده ينتقل بها إلى منطقة فنية لا أثر فيها للاستنساخ أو المشابهة أو تمثيل الواقع، بقدر ما يدفع بها إلى تحقيق حالة من الصدمة الجمالية والذهنية، نتيجة ما تحمله عناصر اللوحة بعلاقاتها الغريبة من رؤية إزاء الواقع المعاصر الذي يعيشه العراق بعد أن نالت منه الحروب والأنظمة القمعية والاحتلالات الأجنبية.
وأضاف: أن لوحاته تعيدنا إلى طرح السؤال الجوهري: ما العلاقة التي تجمع التجربة الفنية بالواقع؟ ومع ان هذا السؤال ليس بجديد، إلاّ ان مؤيد محسن يرغمنا على استعادة طرحه، رغم طغيان عناصر الدهشة والغرابة والتخييل في كل ما يصدر عن مشغله الفني، وهنا تكمن جمالية هذه التجربة وخصوصيتها، في كونها تحمل فكرة التجاوز والانتماء، وفي انها تقدم أثرا فنيا يحفز مخيلة المتلقي على ان تنشط وتنتج هي الأخرى صورا بصرية من وحي الأفكار التي تثيرها كل لوحة من لوحاته، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن أسلوبه في صياغة الأفكار يستند إلى طريقة حسية قائمة على تجسيمها وتصويرها.
وتابع: أنه كثيرا ما تناولت كتابات نقدية تجربة مؤيد محسن باعتبارها منخرطة بكليتها شكلا ورؤية وأسلوبا وتقنية في مسار السريالية، وبتقديرنا ان وجهة النظر هذه كانت على درجة واضحة من الاختزال والتبسيط لعمق وخصوصية هذه التجربة وفرادتها، لأن محسن لم يكن مهووسا بكل ما هو غريب وقريب إلى الأحلام والكوابيس ، أيضا لم تكن ستراتيجيته في الرسم تعتمد الآلية والتلقائية بمعنى تغييب الوعي وسلطة العقل في التأسيس والتكوين كما هو حال الإرث المتراكم في تاريخ السريالية منذ انطلاقتها بعد العقد الثاني من القرن العشرين، انما كان منشغلا في استدعاء راديكاليتها الشكلية وما يمكن ان تحققه من صدمة للمتلقي في سياق تأملاته للواقع العراقي، وهو بذلك قد اقترب منها من حيث «الإحساس المتزامن بالبهجة والكارثة الوشيكة، والذي يعكس الظروف المضطربة للحياة» حسب تعليق الفيلسوف مارشال بيرمان وقد افترق محسن عن السريالية من حيث التوظيف والمعالجات، ونرى ان انحيازه إلى ناحية ما يتركه الأسلوب السريالي من حافز الاستكشاف والاستقصاء العقلي، يعود في جوهره إلى إحساسه العالي بالمسؤولية الأخلاقية إزاء ما يتعرض له بلده من تدمير ممنهج، تقف خلفه همجية السياسة الأمريكية، فوجد نفسه معنيا بإعادة تشكيل الفوضى الناجمة عن هذه الحرب التي شنها الجيش الأمريكي، وتبيان موقفه الرافض للقوى اللاعقلانية التي تحكم العالم وتتحمل مسؤولية خراب وطنه.
وأشار الى ان تجربة محسن باعتبارها ظاهرة مميزة في الرسم العراقي والعربي تشير إلى متانة العلاقة التي يرتبط بها هذا الرسام مع العالم المحيط به، وقدرته على إمعان النظر في تمظهرات أعماقه عبر ما أنتجه من لوحات، فهو على تماس وجداني مع البيئة العراقية بكل تجلياتها الاجتماعية والإنسانية والسياسية، وهذا ما لن تخطئه عين المتلقي وهو يقف أمام لوحاته، حيث يجد نفسه معبأ بأحاسيس تختلط فيها مشاعر الدهشة والحسرة والثورة واللوعة والغضب والاحتقار، وأستطيع ان أجزم بأن لوحاته لو عرضت بمكان عام يرتاده بسطاء الناس من العمال والكسبة والأميين أو في صالة لا يصل إليها إلاّ علية القوم والنخب المثقفة، فإن عملية التلقي ستفضي في محصلتها النهائية للجمهورين إلى الإحساس بالانبهار والتفاعل مع لوحاته، وهذا لانه قد امتلك وعيا حادا وأسلوبا ذاتيا ورؤية فنية في قراءة الأفكار والموضوعات، ما مَكَّنه من ترسيخ انطباع مؤثر لدى الجميع على اختلاف مستويات المتلقين الثقافية، والوصول إلى مثل هذه النتيجة يعد إنجازا كبيرا، خاصة من يرى أن الفنان لابد له من أن يكون منتميا إلى الإنسانية ويحمل في داخله بذور الجرأة والتمرد على القوى التي تتسبب في الحروب وتدمير المجتمعات هذا إضافة إلى مسؤوليته في ترسيخ وظيفته الجمالية.



