اخر الأخبارثقافية

أصدقاء التوهج الأول

حبيب السامر..
ماذا نطلق على تفتح الموهبة وبوصلتها الأولى في سني اللحظة المتوقدة والسعي إلى تنشيط فاعليتها وترسيخ أدواتها من خلال صقلها وتوهج بؤرتها لبناء الشخصية البكر في مجالها؟ حتما، مع استمرار نمو اللحظات البريئة لتقف أمام الحياة بنهج يختطه لنفسه، كي تتنامى لديه القدرة على إدامتها وفق المتوافر لتعزيز قدرته على تخطي المراحل الأولى في الكتابة، ربما يتبادر إلى أذهاننا ما وصلنا عن جلال الدين الرومي” ماذا عنك؟ متى ستبدأ هذه الرحلة الطويلة إلى نفسك” وكأنه يحدثنا عن انطلاقة اللحظة التي تنشأ مع بدء تفتق الموهبة صداقات متعددة، تلعب بيئات الموهبة ذاتها دورها المؤكد في التأثر والتأثير والميل إلى تركيز القراءات المتعددة ومواصلة التواجد في المكتبة ضمن الرقعة الجغرافية للمنطقة وتبادل الكتب بين صحبة الموهبة المشتركة في مجال التلقي ودهشة سيولة النصوص المكتوبة في دفاتر صغيرة وأوراق متناثرة، وهنا يظهر الاحساس بالكلمة المكتوبة بعناية، قد يلجأ البعض بعرضها على مدرس اللغة العربية، أو من يتقدمهم بالتجربة من الأصدقاء الذين مروا في حياتنا، تلمح قلق الكاتب وهو يتابع عيون القارئ ولمعة الدهشة حين تتغير ملامحه وهو يتوقف عند جملة تبهره وتثيرفيه تساؤلات كثيرة، ثم يومئ إلى الجملة المنظورة بأصبعه وكأنه يحاول أن يرسّخها في ذهنه، كل هذا يترك فصول الكلام والحدس بوجود علامات البداهة والتنقل في مناخ النص دون إخضاع ذلك إلى الملل، حين تتغير تعابير وجه القارئ من خلال البحث عن تفاصيل مثيرة تستدعي الحواس وأدوات الفعل الكتابي من أداء مهامها، وهي توقظ المضمر في تدوينات مبتكرة بمزاج يعتمد التحولات المستمرة في نسغ النص الذي تنتجه فاعلية الحياة وحركة الظواهر المختلفة.
بعد مرور الوقت يتخذ كل كاتب مساره وخطه الخاص، وهو يكتشف الدوافع المشتركة مع حماسة الأغراض المتخيلة، حين تتفحص الرؤية الواضحة لموهبته وسلوكه في تحفيز الكامن من الكلمات وتفجيرها معرفيا في حقل الجمال، مستلهما من مدركات الطبيعة للقبض على الفكرة الشاردة والمقتنصة، وتتويجها في مدارك الحواس والأشياء الصغيرة اليومية لترجمتها في قواعد ومتون النص، وصولا إلى عوالم تجسد الفكرة وتخلق حالات الصعود وهي تتسع مع سطوع الضوء وتحفيزه بالمقارنة مع الجسور المعرفية التي تجذب المتلقي.
عادة، يرجع الكاتب في تجاربه الأولى ليرمم فوضى الوقت والمكان ويبحث عن حل للغز الحياة وترتيب أرفف الذاكرة لقتل الملل المحتمل بحكم تراكمات اليأس والعوائق التي قد تصيب رغبة الكاتب لتلمس الفضاء المشتبك مع طموحاته، مستندا إلى صداقاته واستذكاراته الأولية، والسعي إلى جلسة حوار لتأشير مكامن اللحظة الوامضة في الموهبة وتعزيزها بالقراءات والأحاديث في ترجمة الحالة الكتابية وتنشيطها بتأثيث محمولات ثقافة الكاتب ومرجعياته تجعل أفقه أكثر إنفتاحا في تدوين الجملة الصادمة، والفكرة التي تنفذ إلى ذهنية المتلقي بهدوء لبناء الصلات المحيطة به وتدريب الرؤيا المحلقة.
لابد من التآلف مع الموجودات في حياة الكاتب بفعل التمرينات المستمرة وسكبها في وعاء الكتابة للخروج من الذات وصولا إلى مجرات الكون لغرض التدوين وفك شفرة القلق الدائم الذي سرعان ما يتبدد تدريجيا مع نمو التجربة في إزاحة قشرة الوهم والتوق الدائم للعوم في حياة متخيلة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى