اراء

أبو خليل : المحبوب المظلوم..!

 

بقلم/ د.أمل الأسدي..

إن من أكثر القضايا التي تُعرِّض الإنسان للغبن والظلم  قضية (التعميم) وهي أن تجعل الجزئية السلبية ظاهرة عامة، فتصبغ بها واقع الحياة، حياة الإنسان أو حياة المؤسسة أو حياة البلد، ومن مصاديق هذه القضية الجيش العراقي، إذ قُدِّر له أن يعيش ظروفا صعبةً وشائكةً ولاسيما إبان النظام البائد، ولايخفی علی أي متابع أن العراق المتنوع بطوائفه وأعراقه، قد مورست عليه عمليات إقصاء وتهميش وتمييز  وإبادة، تارة كانت طائـفية مذهبـية، وتارة أخری كانت عرقـية عـنصرية، وفي كل الأحوال لابد من التفريق بين هيكلية الجيش العراقي (متنه وقوامه) وقياداته الرئيسة الكبيرة، فقوام الجيش أبناؤنا،أبناء العراق، وهم طبقة مظلومة عانت ما عانت من فقر وحرمان وتشريد، بسبب حروب النيابة التي زج النظام البائد العراق فيها، فحرب طاحنة مع إيران ثم حرب الخليج الأولی ثم الثانية، وفي كل ذلك كانت العسكرية إلزامية، وكانت بمثابة وحش مترقبٍ لايعرف سوی التهام الشباب!! فقد عذب مصطلح (الأفرارية) الأسر العراقية، فبات يركض وراء الآباء والأمهات، فيُعدَم  الجندي إذا فرّ  متمردا، حزينا علی عمره الذي أكلته ساحات الحـروب وأصوات المدافع!! لقد أحرقت الجندية أيام العراقيين ولايوجد بيت من البيوت لايتذكر لحظة التحاق الأب أو الأخ!!

ولايوجد شخص لايتذكر التوابيت المحمولة علی سيارات تقف في باب بيت المختار!!

ولايوجد من لايتذكر (صمون الجيش) الذي لايصلح حتی أن يكون علفا!!

ومن لايتذكر الريم والكراجات والسيطرات التي تدقق كتاب النزول والإجازة؟

ومن يُنصف الجندي الذي يستجدي (كروة السيارة) كي يلتحق؟ الجندي الذي كان مُخيرا بين الموت بنسبة 100% إذا تراجع، والموت بنسبة.80% إذا نفذ الأمر وبقي في المقدمة، المقدمة والسواتر المخصصة لـ(علي وحيدر وعبد الزهرة وعباس وحسين وكرار…)، فإذا رفض الحرب ففرق الإعدام خلفه تنتظره!!

ومن يعوّض الأسرة التي أرعبها التبليغ علی ابنها وهجوم الفرقة علی بيتهم، واضطرار الجندي للقفز من سطح الی سطح هروبا من الموت والإعدام أمام منزله وأمام أهله!!

وهل سمعتم بجندي تأكل الحروب شبابه ثم تُسقَّط جنسيته ويُعَدُّ تبعـيةً بين ليلة وضحاها؟!!

فالنعيم والجاه والسلطة ليست للعامة، إنها للخاصة المنتقاة وبغض النظر عن المعايير أو الأطر القانونية التي تؤهلهم، ومع كل هذا تحمل الجيش ضريبة الإعمام ونالوا منه بحجج كثيرة ومنها حرب الكويت التي أحـرقت جيشنا وتركت جثث أولادنا لتبتلعها نيران الصحراء ولهيبها، ونيران الجوع والحرمان، ثم نيران الطائرات الأمريكية التي أبادتهم تماما بما يُسمی بـ(مقبرة الدبابات وطـريق الموت) حيث تمت مهاجمة القوات المنسحبة وقتلهم بأبشع صورة، رغم أنهم منسحبون ولاحول ولاقوة لهم!! ناهيك عن دفن آلاف الجنود وهم أحياء، ومازالت صور هذه المـجزرة شاهدة، ثم أُسدِل الستار عن هذه الخسائر باتفاقية “نعم” اتفاقية خيمة صفوان، وعلی الرغم من كل هذه الويلات لن تسمع سوی لغة التعميم والتسقيط، ولن تسمع قصة الجنود الذين أنقذوا فتاةً كويتية من رائد متوحش، فكان جزاؤهم الإعدام فورا!! ولن تسمع بقصة مجموعة من الضباط الذين رفضوا دخول الكويت فأُعدموا علی الحدود وابتعلت الأرض حكاياتهم!! ولن تسمع بقصة الجنود الذين يتضورون جوعا ولايمدون أيديهم إلی الطعام حتی تأتي قصعة الطعام من البصرة!!

ولن تسمع بعذابات الجنود وهم تحت قصف الطائرات  في شمال العراق، يبحثون عن مكان يحميهم ويجيرهم يبحثون عنه بين البيوت والقری والجبال ، فلا عودة إلی بغداد وفرق الإعـدام تنتظرهم، ولا طريق يخلصهم من البرد الذي نخر عظامهم علی الحدود، إلی أن تسلمتهم الجمهورية الإسلامية ليكونوا في الأسر لمدة عامين ونصف، ثم عادوا دفعات إلی العراق، وأول كلمة سمعوها حين ركبوا  الباصات (هتـلية، لاحد يحجي) عادوا ليُحتجزوا فيخرج منهم من يخرج،ويختفي منهم من يختفي!!

الجيش العراقي الذي أحرقته نيران السلطة البعثية من جهة، وأحرقه التعميم من جهة أخری، وحتی بعد سقوط الصنم صار الجيش ضحية، فكان بإبمكان الأمريكان الإبقاء علی هيكليته، ولاسيما وأن قياداته ستفر في الأغلب لأنها مطلوبة وملاحَقة بتهم كثيرة، لكنهم يدركون أنه مصدر قوة للعراق، وبحله سيضعف العراق وتضعف منظومته الأمنية، وهذا ما حدث بالفعل، وحتی بعد أن مكننا الله من إعادة بنائه، تعرض لشتی أنواع الأذی وهدروا دماء جنودنا الأبطال وقتلوهم وأطلقوا عليهم شتی التسميات (الحرس الوثني، وجيش المالكي، وجيش الرافضة، والجيش الصفوي) وبفضل الله تعالی، وبفضل المرجعية الرشيدة، تمكّنّا من شدِّ أزر جيشنا العراقي بأخٍ كريم شجاع وهوالحشد الشعبي، ومن دونهما لكنّا ـالآن- في جُبٍّ مظلم ومستقبل مجهول.

فكونوا منصفين وتجنبوا التعميم والإساءة إلی الجيش، وحين تنصفونه، تذكروا أن تنصفوا الحشد وتشكروا فضله، فالجيش والحشد جناحا العراق وهيبته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى