“أغنية الغراب”.. فيلم عن صراع الأيديولوجيات في السعودية

يقدم المخرج السعودي محمد السلمان أحداثاً اجتماعية جدلية تحمل النقد لسلوكيات المجتمع، وتصنع المفارقة بين الذات والنسيج الاجتماعي عبر صراعات فكرية مختلفة في حقبة بداية الألفية الثالثة في المملكة العربية السعودية، من خلال فيلمه الروائي الكوميدي “أغنية الغراب” الذي تم تصويره في العاصمة الرياض.
وتدور أحداث الفيلم حول شخصية ناصر، ويجسدها عاصم العوا، إذ يعاني البطل من تكوين داخلي مهتز، وطبيعة تصل إلى حد السذاجة في التعامل مع المجتمع المحيط، ولا يمتلك الدعم من والده، ويعاني بعد كل هذا العبء من ورم في جسده، يسبب له ضغوطاً نفسية مهلكة.
نجد على الملصق الدعائي للفيلم، البطل يحمل فوق رأسه حمامة بيضاء، وهي ترمز للسلام الداخلي الذي يكنه ناصر للمجتمع، والسؤال هنا، لماذا لم يكن الغراب هو المحمول على رأسه؟ حيث أراد المخرج أن يصنع المفارقة بين الحمامة والغراب، فالغراب في القصة الشعبية الشهيرة ينسى مشيته بعدما قلد الحمامة في حركاتها، وعندما مل من التقليد وحاول الرجوع لطبيعته، نسي كيف كان يمشي في الأصل، فتاهت هويته وفقد قدرته على المضي في طريق صحيح، وسقط في تخبطه، وهذا التجسيد الرمزي أراد المخرج إسقاطه على كوادر الفيلم المختلفة.
يظهر في أحد المشاهد داخل أحلام ناصر، بُعد فانتازي، إذ يصور المخرج عقلاً مرمياً على الرمل خارج الجسد، ويقوم البطل بركله بقدمه، وهو تجسيد لحاله الجنون التي يمكن للمرء أن يعيشها في حال التفت لسلوكيات وقناعات الآخرين، دون أن يلتفت لهويته وتكوينه الشخصي.
ويغوص الفيلم في موضوعات عديدة ذات تأثيرات مختلفة، ولكن يمكن إجمال فكرته الأهم، وهي صراع تقبل اختلاف الثقافات والتعددية في المجتمع، والبحث عن الهوية الذاتية في حقبة بداية الألفية الثالثة، حيث جسدت مرحلة فكرة مختلفة في السعودية، عبر التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، وحتى في الصراع بين الشعر التقليدي والشعر الحداثي، ففي بحر عاصف تتماوج فيه التيارات المختلفة كاشفة عن الفجوات العميقة بين أنسجة المجتمع، يسقط ناصر في فخ التجاذب ما بين الأفكار، وهو ما ينطبق على كل شخص يحاول الاندماج بالمجتمع عبر التقليد.



