اراء

انحسار حضاري تواجهه أوروبا بسبب “أزمة أوكرانيا”

 

بقلم/ عباس الجمري..

كشفت الأزمة الأوكرانية عن كثير من العلامات السياسية والاستراتيجية الواضحة التي تبرز ضعف دول القارة الأوروبية، مجتمعةً، في مواجهة تحديات يدخل فيها الأمريكي أو الروسي أو الصيني.

وبالرغم من تصنيف ثلاث دول أوروبية دولاً عظمى هي: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وقفت هذه الدول مرتجفةً أمام شتاء سياسي لا يخلو من العواصف الاقتصادية المصاحبة لأمطار التضخم، في حين لم يبادر القادة الأوروبيون إلى صوغ إستراتيجية خاصة ذات سمات تظهر الخصوصية الثقافية والبراغماتية، وتقف نداً لتوازن المتصارعين في العالم.

صحيح أن أميركا صاغت المشهد وكأن الروسي أراد أن يقضم أوروبا ويدمر استقرار القارة العجوز، ونجحت واشنطن في صنع بروباغندا تقول إن الروس سيجتاحون بلداناً أخرى إذا انتهوا من أوكرانيا. وللمفارقة، فإن السبب الرئيسي في كل هذه الطاحونة قد غُيّب في الإعلام الغربي والإعلام التابع له عالمياً بنسبة كبيرة، وهو تمدد “الناتو” على حساب الأمن القومي الروسي.

 بعد ثمانية أشهر من العملية الخاصة الروسية، برزت انقسامات عديدة بين الأوروبيين منها ما هو متصل بوضع سقف لسعر النفط الروسي، ومنها ما له علاقة بنصب صواريخ باتريوت في بولندا، وقد تحدثت صحيفة “واشنطن بوست” في عددها الصادر السبت 10 كانون الأول/ديسمبر عن هذا الانقسام بالإشارة إلى قيام ألمانيا بضخ 200 مليار دولار في السوق المحلية كمعونات، ما يؤثر في عموم السوق الأوروبية زيادة في التضخم، وغيره من الخلافات التي تتضارب فيها المصالح بين دول الاتحاد الأعضاء.

تقرير للصحيفة الأمريكية واسعة الانتشار يقول: “إن قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي استمروا طوال جلسات القمة، في مناقشة وسائل مواجهة الأسعار المرتفعة للغاز من دون جدوى، مشيراً إلى أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، حاولت قدر جهدها تقريب وجهات النظر من أجل تعزيز التنسيق بين دول الاتحاد للحيلولة دون الوقوع في فخ المزايدة على بعضها البعض في السوق العالمية للطاقة“.

وهذا النوع من الانقسامات تكرر الشهر الماضي وما سبقه أيضاً، كالانقسامات الحادة في الآراء بسبب إمدادات الوقود النووي الروسي، والتعاون مع شركة “روسآتوم” الروسية للطاقة الذرية. وهذا ما كشفته صحيفة “هيل” في منتصف الشهر الماضي، في تقرير قالت فيه: “عندما أوصت بولندا وأيرلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وألمانيا مؤخراً الاتحاد الأوروبي بحظر استيراد الوقود النووي الروسي من أجل تجنب تمويل روسيا، صرخت هنغاريا وفرنسا، وأغلقت بروكسل عينيها“.

وبدل أن يكون “الناتو” إطاراً تحالفياً يضمن مصلحة بلدان أعضائه، تحوّل إلى عبء على معظم الدول المنظمة له، وباتت الإستراتيجية الأميركية تجاه روسيا الاتحادية نقمة على الأوروبيين أكثر من كونها نقمة على روسيا، وبالرغم من أن الأخيرة تتضرر بشكل لا لبس به من العقوبات الغربية، فإن الضرر الأوروبي المنذر بالتفكك هو التحدي الأخطر الذي يواجه القارة العجوز.

وفي كلمته في قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يوم الأربعاء 9 كانون الأول/ديسمبر، أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن الاتحاد قام بخطوات ناجحة في الحد من التضخم، فيما تواجه الدول الأوروبية التي فرضت عقوبات على روسيا غلاءً خيالياً. مضيفاً: أن اقتصادات بلدان الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مستقرة، ويعني ذلك أنها ستنمو وسيزداد معها استهلاك موارد الطاقة.

كل ذلك لا تقتصر خطورته على البُعد الخارجي فقط أو البُعد الاقتصادي وحسب، بل يؤشر على حدوث مشكلة اجتماعية وفكرية تتمثل في صعود اليمين المتطرف في الغرب، وأكثر مثال صارخ على تغيّر المناخ الدراماتيكي في أوروبا هو ما شهدته ألمانيا في 7 كانون الأول/ديسمبر من محاولة انقلاب ضخمة خطط لها “مواطنو الرايخ”، وقد نفّذت برلين عملية أمنية كبرى في إحدى عشرة ولاية بانتشار 3 آلاف عنصر أمن ومخابرات وقوات خاصة، لإلقاء القبض على قادة هذا التنظيم الذي كان يخطط لاحتلال مؤسسات الدولة، ويفرض أحكاماً عرفية فيما بعد لإسقاط الديمقراطية الألمانية.

إذن، الغرور الأوروبي الحضاري اصطدم بحائط حقيقي، واكتشف حقيقة “الذات” الحضارية، والتي تبيّن أن كل مقوّماته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بآخرين كأميركا وروسيا والصين. إذن، أين الاعتداد القومي بالذات، وهل فعلاً مصطلح القارة العجوز ينطبق حرفياً على مقوّمات هذه الحضارة التي تعدّ الأعرق في السياسة الحديثة والتكنولوجيا الحديثة؟

هذا السؤال الكبير يضع القادة الأوروبيين أمام مسؤوليات جسام، في وقت يعيش المجتمع الأوروبي انحساراً في الولادة فيما يغلب عدد المهاجرين على أعداد السكان الأصليين، خصوصاً في الدول الأوروبية الكبرى كبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيما تتزايد موجة “المثلية” التي تهدد بتفكك الأسر وانعدام الأمن الاجتماعي، وسط تحذيرات اختصاصيين اجتماعيين من دعم هذه الموجة التي لم ترعَ الأفق الأخير لتفاقم هذه الظاهرة.

وقد علق أحد الكتّاب البريطانيين بأن الحضارة الغربية تنتحر، وسط عدم القيام بمعالجات بنيوية للمشكلات المتزايدة على المستويات كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية..إلخ.

ويبدو أن المخرج الواقعي من أزمة أوكرانيا هو التفاهم مع روسيا بتواضع ومراعاة المصالح القومية، والأهم التموضع المتزن بين القوى الكبرى بما يضمن حفظ إمدادات الطاقة الرخيصة من موسكو، وعدم تقديم المصلحة الأميركية على مصالحهم. هذه الرؤية تنتشر في أوروبا كلما أوجعتهم ارتدادات العقوبات عليهم، وبات من المستبعد أن لا تتفاقم الأزمة الاجتماعية والسياسية في ظل عدم وضوح الرؤية الإستراتيجية تجاه الأزمة في أوكرانيا.

كل ذلك في كفة، والتباينات في إمكانية بعض الدول الأوروبية على تحمّل مشقة هذه الأزمة دون دول أخرى في الكفة الأخرى، فبولندا والمجر وإستونيا وغيرها من الدول ليست في وضع اقتصادي كالذي تتمتع به فرنسا وألمانيا، بالرغم من أن الأخيرتين توجعتا في هذا الجانب أيضاً، لكن رافعتهما الاقتصادية تتسع إلى مد النفس بشكل أطول في تلقي الارتدادات، بعكس معظم دول أوروبا الشرقية المنضوية في الاتحاد الأوروبي.

وحجم المسؤوليات الثقال هو ما يعكس فشل عدد من السياسيين في أوروبا في حل المشكلات المتفشية، ما دفعهم إلى الاستقالة في الأشهر القليلة الماضية، إلا أن أوروبا لا تزال تدير ظهرها عن المشكل الحضاري الذي يحتاج إلى قرارات شجاعة تتخطى القرارات الترقيعية، وتتجاوز المجاملات مع واشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى