هل أتاكم حديث “أسامة بن ترامب”؟

بقلم: آسيا العتروس..
أولاً لابدَّ من الإشارة الى أن العنوان مقتبس من مقال الصحفي الأمريكي كريس هيدج Chris Hedgeالذي حذر من تداعيات فشل الحرب الأمريكية على الإرهاب ومن سقوط المجتمع الأمريكي بسبب سقوط ترامب وسنوضح أسباب هذا الاختيار لاحقا.
كثيرة هي الأسباب التي تعزز القناعة بأن السلام في العالم يتأكل كل يوم أكثر وأن كل ما يسجل في مناطق متعددة من العالم من حروب وصراعات يقلص فرص السلام الهش ويغذي التكالب والتنافس على توفير واقتناء السلاح قبل الماء والغذاء ويجعل مصانع السلاح والموت تبحث عن تطوير الأسلحة والقنابل الفتاكة الى أسلحة أكثر فتكاً وأكثر دماراً وفي كل ذلك فان ميزانيات الدول والحكومات تعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية للشعوب ولكنها قادرة على دفع ثمن الاتفاقات التي توقعها من أجل السلاح الذي تستعمله لقمع الشعوب.. نقول هذا الكلام فيما تحيي الأمم المتحدة اليوم العالمي للسلام، احتفالاً على حياء ودون ضجيج لتسجيل الحضور وكأن منظمة الأمم المتحدة التي يعود سبب تأسيسها لحفظ الأمن والسلم في العالم تخشى أن تسأل عن السلام الضائع وفشلها في ضمان ما كانت التزمت به في ميثاقها لكل شعوب العالم.
وحتى لا نتهم بالمبالغة في التأكيد على مخاطر غياب السلام في منطقتنا العربية وتحديدا منطقة الشرق الأوسط التي تتواتر فيها الصراعات والحروب منذ عقود بسبب الكيان الاسرائيلي الذي غرس في أعماق المنطقة وأريد له أن يكون سبباً لبقاء الحروب متأججة والأكيد أن حرب الإبادة في غزة ليست البداية ولكنها حلقة من حلقات التدمير والقتل والابادة المستمرة.. والأكيد أيضا أننا ازاء كيان يمتلك من الدهاء والدناءة والقدرة والرغبة في التدمير وهو لا يرتوي من دماء الأبرياء، كيان يقود ويعيش ويستمد وجوده من القتل والدم والغاء وإبادة الآخر والاستثمار في ضعفه وهشاشته وانقساماته.. ولا شك أنه في نجاح هذا الكيان الاسرائيلي المدعوم من حلفائه في الغرب وتحديا الحليف الامريكي في جر إيران الى الدخول في صراع جديد ينزل في إطار حساباته وتصوراته لحاضر ومستقبل المنطقة ودفع منطقة الخليج الى متاهات حرب لا تنتهي مع الجار الإيراني بعد تأجيج المشهد في اليمن بما يمكن أن يجعل السيناريوهات المرتقبة قابلة لأخطر القراءات وأعقدها في ظل الاستنفار الحاصل والمخاوف من حرب عالمية للطاقة فيما تتجه أسعار النفط نحو مزيد من الارتفاع وارتهان عجلة الاقتصاد العالمي وتعطيل حركة الملاحة الدولية وارسال الانذارات بأن الشتاء القادم سيكون غير مسبوق وكما في كل الأزمات والصراعات ستتحمل المخاطر والتداعيات الشعوب الأضعف التي تدفع ثمن لعبة الكبار في إدارة الأزمات بمزيد من التشتت والتشرد والفقر والجهل وانعدام الأمان.
ومن هذا المنطلق نستحضر ما كتبه الاسبوع الماضي الصحفي الأمريكي كريس هيدجز بعنوان “أسامة بن ترامب” حيث يحذر الكاتب الذي دأب على انتقاد سياسات ترامب وفضح ممارسات مجرم الحرب ناتنياهو “من انحطاط المجتمع الأمريكي وانعدام أخلاقه المتجسد في فظاظة ترامب وجهله وقسوته”.. ويعتبر الكاتب أن الحرب الأمريكية على الإرهاب قد فشلت وأن دونالد ترامب، الذي تعتبر حربه على إيران أكبر خطأ استراتيجي في تأريخ الولايات المتحدة، ليس مسؤولاً عن إشعال فتيل انهيار الإمبراطورية الأمريكية، ولكنه مسؤول عن نهايتها المأساوية.. هذه هي النهاية.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستويات قياسية قدرها نحو 2.9 تريليون دولار، خلال عام 2025.. وتبدو التحديات أكثر وضوحاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي ظلت، بحسب مؤشر السلام العالمي أقل مناطق العالم سلاما… ومثلت الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران واحدة من أخطر تحديات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2026.. حتى هذه المرحلة لا شيء وحي بقرب نهاية الصراع بل على العكس من ذلك فان كل المؤشرات تنذر بأن الأخطر لم يحدث بعد وأن ترامب يتجه لمزيد من التصعيد، فيما بقي له من حيّز زمني قبل الانتخابات النصفية التي وعد فيها مؤيديه من الناخبين بخمسة آلاف دولار في مؤشر واضح على التدهور والانهيار الحاصل في الديمقراطية الأمريكية تحت إدارة ترامب من بيع في المزادات العلنية لأصوات الناخبين.
والأكيد أن ما يجري في اليمن والسودان وسوريا ولبنان ليس بمعزل عن المشهد في الشرق الأوسط حيث تتسع رقعة الاتفاقات الابراهيمية ومساعي التطبيع المحموم على جثث الضحايا.. لا خلاف أن العالم أحوج من أي وقت مضى للسلام العادل بين الشعوب، ولكن نجزم دون تردد أن ما يشهده العالم يجعل السلام هدفا بعيدا وحلما أقرب الى المستحيل، فعندما يتحقق السلام تسقط كل مخططات ومشاريع وأطماع أعداء السلام وأعداء الشعوب والقيم الكونية والكرامة الإنسانية.
أخيراً وليس آخرا، عندما يُفرش السجاد الأحمر لمجرم حرب مثل نتنياهو في رصيده عشرات الآلاف من الضحايا من نساء وأطفال وشباب وشيوخ للعبور الى الأمم المتحدة ومواصلة الاستهزاء بالعالم وعندما ترفع واشنطن القوة الراعية لكيان الاحتلال الفيتو في وجه رئيس السلطة الفلسطينية والوفد المرافق له ومنعه من دخول مقر الأمم المتحدة بدعوى دعم الإرهاب فسيكون على الأمم المتحدة أن تعلن فشلها في بناء ونشر السلام.



