“سوراقيون”.. من عاطفة الإنتاج إلى تدوين الإبداع

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يرى الكاتب والناقد علي لفتة سعيد أن كتاب “سوراقيون” للكاتب والناشر عبد الرضا الحميد هو رسالة وحدة وعلامة إبداعٍ وعملية تداخل جسد خرائطي، التحامي بين العراق وسوريا اللذين صنعا التاريخ والحضارة.
وقال سعيد في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: ليس كتاب (سوراقيون) مجرّد جامعٍ لنصوصٍ شعريةٍ بأقلامٍ عراقيةٍ معنونة بحب سوريا، ولذا أرادها منتج الكتاب ليس لتكون رسالةً سياسيةً بقدر ما هو أيّ الكتاب رسالة وحدةٍ وعلامة إبداعٍ ورسالةً وبالتالي يندمج مع الرسالة السياسية التي تحاول إيجاد منطقة تصرخ فيها ليس عن بُعدٍ شعري منصّاتي، بقدر ما يكون عملية تداخل جسد خرائطي، التحامي بين الإسمين العريقين في التاريخ، حيث إن البلدين صنعا التاريخ والحضارة.
وأضاف: أن (سوراقيون) الصادر عن دار العراب في سورية ودار الصحيفة العربية في بغداد أتاح للمؤلّف المنتج عبد الرضا الحميد أن يكون نقطة الالتقاء المميّزة والبارزة والتي مهمّتها القدرة على أن تكون النصوص الشعرية مشعّةً لدى القارئ، لها اتجاه واحد، لا تحيد عنه، ومنطقة تأويلٍ واحدة لا تقبل التعددية، وإرادة قصدية واحدة لا تحبذ التقسيم، فالهدف المبتغى أنه جمع (بعض النصوص) لشعراء عراقيين أسّسوا لمنطقةٍ مضاءةٍ في شعرهم، كتبوها وأنتجوها بحبّ سوريا، وهي تواجه المعنى الكامل للمواجهة الضدّية، والتالي إعلان التلاحم الإنساني، ولهذا فإن المهمة لم تكن سهلةً على المنتج، لأن الأمر لا يعتمد على جهدٍ مخيّلاتي، بقدر ما يعتمد على جهدٍ أرشيفي، باحثٍ عن النصوص التي تتّصل بالقصدية العليا، وتصوير العنوان.
وبين : أن التنظيم للنصوص يحتاج الى معرفة النصوص ذاتها، واختلاف تجارب الشعراء يحتاج الى معرفة الغايات الشعرية لكلّ نصّ، وتنوّع المدارس الشعرية يحتاج الى عملية تبويب لهذه المدارس ما بين العمودي والتفعيلة والنثر، لذا فإن ما طرحه في المقدمة ليس الثريا التي تضيء النصوص، بل هو البوابة التي أرادها المؤلف لتكون معبرًا لمدينة الشعراء.
واشار الى أن الكتاب لا يكون في مضامين السرية أو التي تحتاج الى جهدٍ لمعرفة غاية الجمع للنصوص الشعرية، فالطريقة المهمة التي سلكها المؤّلف أنه وضع لنفسه سبيلًا وأشار لمخيلته أن تضع نقاطًا، لا تغادر العاطفة الانتمائية ولا تبتعد عن الإبداع، لأن هذا يعني أن المغامرة العاطفية سيكون منسوبها أعلى من الجهدـ وبالتالي تضيع الغاية الكبرى من عملية وضع العنوان العام ( سوراقيون) والذي تبعها بعنوان آخر( قصائد عراقية في حب سوريا).
واكمل :بالتالي فإن كلمة (حب) والاتجاه الذي تسير إليه، يعطي تلك اللمعة التي تفيض عاطفة، بل حين يقول في مقدمته أو كما أسماها(على ذمة التقديم- تقاسيم على وتر دمشقي) وما يمكن أن تمنحنا عملية تأويل الجملة الثانية من المقدمة أنها قصدية عاطفية لا محال (والتي ابتدأها بمفتتح: (دمشق أول الماء/ أول التراب/ أول النار) وهي علاقة ثلاثية (تقعد) عليها خاصية الوجود والحياة التي بدأت من أرضٍ واحدةٍ يعشقها المنتج الحميد الذي لم يخف هذا الاتجاه المسبّب والسبب في مقدّمته حين يقول (هذا الكتاب وثيقة انتماء لسورية ووفاء لها وثيقة انتماء لكل الأهرامات السوراقية التي عدت من (أوائل) الأرض وفق ما أقرّ بوقوعه مؤرخو الغرب في سوراقيا سرّة الكون وصرخته الأولى. دون أن ينسى ما تعرض له العراق قضيته الأولى وتشابه المؤامرات، وتماسك العروة الوثقى بين الدولتين المتشابهتين في رسم الخريطة ايضا.
وبين : ان الشعر كطريقة تدوينٍ بطريقة (سرد شعرية) مختلفا عن المقدمات التي تعطي أسباب الإنتاج فهو لا يحتاج الى توضيح أو تبرير، فلعبة العاطفة واضحة، وغاية الإبراز للانتماء دالّة، لذا كان عليه اختيار الدليل لينتج المدلول، من خلال نصوصٍ ليست عابرةً لمرحلةٍ ولا تقع في عمق العاطفة، بقدر ما تكون إبداعية حاملة لشعلتها لتتوّج عاطفتها بلغة الشعر، داخلةً مع مراد المنتج الذي يقول في المقدمة تعبيرا عن هذا البوح الصارخ، مستعينا بقول الشاعر الكبير (لم أشعر بالأمان في أي بلد عربي أكثر من الشام.
واوضح: ان نصوص الكتاب نبعت من داخل الشاعر الى داخل الشعر، ومن خارج الخارطة الى داخل الوطن، ومن لوحة وطن الى إطار الوطن، فترسم تلك النصوص هدفها عبر دوال المعرفة بماهيتها، فالشعراء مثل الجواهري وعبد الواحد والبياتي والنواب وشريف الدين الحلي ومحمد مظلوم وشكر الصالحي وعيسى العبادي وفائز الحداد ووجيه عباس وفاضل فرمان وجليل خزعل وراسم المرواني ووليد حسين وشكر الصالحي وأجود مجبل، فإن الأمر لا يعكس المقدرة الشعرية لمن جمعهم الحميد في الكتاب، بقدر ما جمعهم هدفٌ واحدٌ كان الحميد هو الصائد لها، لكي يبرزها وينقلها من دلالتها الشعرية الى معناها الاعتباري، لذا فإن المحتكّم في هذه القصائد ليس قدرتها الإبداعية، فهي لا تناقش من هذه الزاوية التي لا يمكن الإمساك بتفاصيلها الوصفية والتفكيكية لأن أغلب كتّابها كبار الشعراء العرب وليس العراق، فإن النتيجة، إن كتاب (سوراقيون) هو الكتاب الجامع لنصوصٍ تعبّر عن عشقٍ خاص للمنتج، وهو عشقٌ يكاد يجزم الكثيرون أنه واحد.



